سقوط ورقة التوت المالية

الإمارات والبحرين .. مأزق الملاذات الضريبية

الدوحة - لوسيل

سقطت ورقة التوت من النظام المالي في الإمارات، والتي حاول كثيراً ما يداري سوءاتها دون جدوى، بقرار الاتحاد الأوربي الأخير بإدراجها والبحرين ضمن "لائحة سوداء" للملاذات الضريبية، بعد أن فشلت ولسنوات للإيفاء بمطلوبات التعامل المالي الشفاف.

الخطوة الأوربية لها تبعاتها دون شك، لما تمثله الملاذات الضريبية من مخاطر على الاقتصاد العالمي، بإخفاء ثروات تتجاوز المليارات إلى الترليونات هرباً من الإلتزامات الضريبية وإخفاء لمصدر تلك الأموال التي قد تكون حصيلة لجرائم منظمة من التجارة غير المشروعة، مثل غسيل الأموال والاتجار بالمخدرات والبشر وغيرها من الطرق التي تدر دخلاً كبيراً في الخفاء.
الإمارات ظلت ولسنوات طويلة تحت مجهر النظام المالي العالمي، باعتبارها محطة هامة في المنطقة لعبور الأموال الملوثة بالجريمة خاصة تجارة المخدرات والاتجار بالبشر وغسيل الأموال، لما تتمتع به من نظام مالي لا تنطبق عليه معايير الشفافية اللازمة ويتسم بالضعف مما يسمح باختراقه وعدم القدرة على مراقبة حركة الأموال من خلاله. وينطبق ذات الشيء على البحرين التي تكافح بكل السبل للخروج من واقعها الاقتصادي المتردي، حتى لو كان عن طريق غسيل الأموال أو فتح نظامها المالي للهاربين من الضرائب في بلدانهم الأصلية.
لم يكن أمام الاتحاد الأوربي إلا أن يتخذ قرارا حاسماً حيال هذا الواقع، حيث تتضرر دوله من التهرب الضريبي والذي تصل قيمته إلى عشرات المليارات من الدولارات، ويتضرر مواطنها بشكل كبير لأن هذه الأموال الضخمة كانت ستحدث فرقاً في مستوى الخدمات التي تقدمها الدولة ودافعو الضرائب.
وكان القرار "قائمة سوداء" للملاذات الضريبية ضمت 17 دولة بينها دولة الإمارات والبحرين بعد مفاوضات وصفت بالصعبة استمرت سنة. وقال وزير المالية الفرنسي برونو لومير للصحفيين في بروكسل: «أقرينا على مستوى الاتحاد الأوروبي قائمة بالدول التي لا تبذل جهودا كافية لمكافحة التهرب الضريبي.
والدول المدرجة على اللائحة هي: ساموا الأمريكية والبحرين وبربادوس وغرينادا وغوام وماكاو وجزر مارشال ومنغوليا وناميبيا وبالاو وبنما وسانت لوسيا وساموا وكوريا الجنوبية وترينيداد وتوباغو وتونس والإمارات العربية المتحدة.

انتصار أولي

وكانت المسودة الأولية تشمل 29 دولة قبل أن يقلص مسؤولون أوروبيون كبار عددها.
وقال مفوض الشؤون الاقتصادية في الاتحاد الأوروبي بيار موسكوفيسي قبيل الإعلان الرسمي إن اللائحة تضم عددا أقل من الدول العشرين التي كان يأمل بها، لكنها «انتصار أولي». وتعد اللائحة أحدث المساعي الدولية لمكافحة التهرب الضريبي - الذي يزداد اعتباره مسألة أخلاقية - في أعقاب نشر منظمة الأمن والتعاون في أوروبا قائمة «بالملاذات الضريبية غير المتعاونة».
ووقعت بعض دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على اتفاقية معايير تآكل الوعاء الضريبي وتحويل الأرباح لمواجهة استراتيجيات التهرب الضريبي التي تسمح للشركات الدولية بتحويل أرباحها إلى أماكن تفرض فيها ضرائب منخفضة أو لا تفرض فيها ضرائب على الإطلاق.
الأمر دون شك أثار قلق الإمارات والبحرين، فالأولى تخشى على مركزها المالي والتجاري الذي بدأ في التراجع فعلاً. فالإمارات سارعت للاعتراف بالواقع الذي يحيط بنظامها المالي، في محاولة لتدارك الأمر "الكارثة"، وقالت حكومتها في بيان "إننا نعمل وبكل شفافية على الانتهاء من الإجراءات المطلوبة التي سيتم الانتهاء منها بحلول شهر أكتوبر من العام 2018، وكلنا ثقة بأنه سيتم شطب اسم دولة الإمارات من القائمة بأسرع وقت".
قالت ذلك وهي تدرك أن الأمر جد خطير، فقد تتوقف مؤسسات الاتحاد الأوروبي عن استخدام الدول المدرجة على القائمة السوداء في العمليات المالية الدولية وقد تخضع التعاملات التي تشترك فيها هذه الدول لتدقيق أكبر. وقد يؤثر ذلك على تدفقات رأس المال عبر الإمارات، المركز المصرفي الرئيسي في الشرق الأوسط.
وقالت حكومة الإمارات إنها تتعهد "بالانتهاء من الإصلاحات والتعديلات البسيطة المرتبطة باتفاقية معايير تآكل الوعاء الضريبي وتحويل الأرباح".
وأضافت "أنها وإيفاء بالتزاماتها الدولية فإنها تعمل وضمن جدول زمني محدد وعملي على تنفيذ وتوفير التشريعات الخاصة بها بحلول شهر أكتوبر من العام 2018 والتصديق عليها في شهر مارس من العام 2019 ليتم تطبيقها في جميع أرجاء دولة الإمارات".
وقالت الحكومة إنها على ثقة بأنه سيتم إقرارها "شريكا متوافقا دوليا في مرحلة المراجعة التالية".
وإلى أن يحدث ذلك قطع سفير الاتحاد الأوربي بالإمارات باتريسيو فوندي قوله الفصل الأربعاء إن دولة الامارات سيتعين عليها أن تتخذ المزيد من الخطوات لمعالجة مخاوف الاتحاد بشأن شفافية الضرائب حتى تنتشل نفسها من قائمة سوداء بالملاذات الضريبية.
وأضاف قائلا في رسالة بالبريد الالكتروني إلى رويترز "الاتحاد الأوروبي كان على اتصال على مدار الأشهر الماضية مع السلطات الإماراتية وقدمت دولة الإمارات العربية عددا معينا من التعهدات".
لكنه قال إن الإمارات لا تطبق الحد الأدنى لمعايير القواعد الضريبية (بي إي بي إس) ولم تتعهد بمعالجة هذه المسائل بحلول الحادي والثلاثين من ديسمبر.

 ثروة الأمم المخفية

وتشير (بي إي بي إس) إلى اتفاق وقعه بعض أعضاء منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للتغلب على استراتيجيات التهرب من الضرائب التي تسمح للشركات المتعددة الجنسية بتحويل الأرباح بشكل مصطنع إلى مواقع تنخفض أو لا توجد فيها الضرائب.
ظهرت الجنات الضريبية في العالم سنة 1929 في بعض الدول الأوروبية، وتطورت إلى أن أصبحت قيمة الأموال المودعة فيها تفوق بعشرات الأضعاف الناتج الداخلي للدول التي تحتضنها.
واستنادا إلى كتاب "ثورة الأمم المخفية" الصادر حديثا عن جامعة كاليفورنيا، يكلف التهرب الضريبي حكومات العالم حوالي 200 مليار دولار سنويا.
وتشير بعض التقديرات إلى أن بلدان أوروبا ومعظم الدول النامية تتضرر بالدرجة الأولى من التهرب الضريبي.
وكلف التهرب الضريبي الدول النامية وحدها 7.8 تريليون دولار ما بين سنتي 2004 و2013، حسب بحث أجرته مجموعة النزاهة المالية العالمية.

الدول الفقيرة

واظهرت دراسة اعدتها مؤسسة اكشن آيد الخيرية البريطانية أن نصف الاستثمارات الاجنبية في الدول النامية يتم تحويلها عن طريق الملاذات الضريبية ما يسمح للشركات المتعددة الجنسيات والمستثمرين بتجنب دفع مستحقات الضرائب لحكومات الدول المستقبلة لهذه الاستثمارات.
واشار التقرير إلى ان مثل هذه الممارسات تكون أكثر انتشارا في الدول الفقيرة منها في الدول الغنية بكثير ما يؤدي إلى حرمان الخزانات العامة في هذه الدول من ايرادات هي بأمس الحاجة اليها.
ويسوق التقرير مثالا من الهند حيث تمكنت إحدى الشركات العالمية الكبرى من تفادي دفع ملياري دولار كضرائب للحكومة الهندية لأن استثماراتها سجلت في أحد الملاذات الضريبية البريطانية. وهذا المبلغ كاف لتوفير وجبة يومية لكل تلميذ هندي في التعليم الابتدائي لمدة عام.
ومن الأمثلة الأخرى التي ساقتها الدراسة هو إقدام شركة عالمية للتعدين تملك 84 شركة فرعية تنشط في افريقيا إلا أنها لم تسجل إلا 4 منها في دول افريقية في حين سجلت 47 منها في ملاذات ضريبية .
وتعتبر منظمات غير حكومية، تكافح من أجل شفافية أكبر في التعاملات المالية العالمية، السرية المصرفية والتهرب الضريبي من أكبر العقبات التي تعرقل جهود مكافحة الفقر في العالم.
وأظهر تقرير لمنظمة "اوكسفام" العام الماضي، أن أكبر 50 شركة في الولايات المتحدة أخفت أكثر من تريليون دولار من أموالها في ملاذات ضريبية خارجية، وهو ما يزيد على إجمالي الناتج المحلي لقوى اقتصادية كبيرة مثل أسبانيا والمكسيك وأستراليا.
وذكرت منظمة أوكسفام المعنية بمكافحة الفقر والتمييز في العالم إن قائمة هذه الشركات العالمية تضم فايزر للأدوية وبنك جولدمان ساكس وداو كيميكالز للكيماويات وشيفرون للنفط وول مارت لمتاجر التجزئة وآي.بي.إم للكمبيوتر وبراكتور أند جامبل للسلع الاستهلاكية.
وتمتلك هذه الشركات أكثر من 1600 فرع مسجلة في الملاذات الضريبية أخفت من خلالها حوالي 1.3 تريليون دولار.

شركات وبنوك

حمل التقرير عنوان "شروخ في القمة" وأشار إلى أن الشركات الأمريكية الخمسين حققت أرباحا تقدر بحوالي 4 تريليونات دولار على مستوى العالم خلال الفترة من 2008 إلى 2014 وحصلت على دعم هائل من الحكومة الأمريكية خلال الفترة نفسها يقدر بحوالي 11 تريليون دولار بحسب تقديرات المنظمة الموجود مقرها في بريطانيا، والتي قالت إن هذه الشركات حصلت على حوالي 27 دولارا كدعم حكومي مقابل كل دولار دفعته كضرائب اتحادية في الولايات المتحدة.
"أوكسفام" كشفت أيضاً في مارس الماضي أن أكبر عشرين مصرفا أوروبيا تعلن عن ربع أرباحها فى ملاذات ضريبية، ولا سيما لوكسمبورج وهونج كونج وأيرلندا.
وقالت المنظمة التى نشرت الدراسة مع شبكة "الدليل الدولى للممارسات المالية العادلة"، إن هذه المصارف "أعلنت عن 26 % من أرباحها فى الملاذات الضريبية، والتى بلغت 25 مليار يورو فى 2015، لكنها صرحت فقط عن 12 % من رقم أعمالها و7 % من موظفيها"، متحدثة عن "فارق فاضح".
وأضافت أن هذه البنوك الأوروبية صرحت عن أرباح "إجمالية تبلغ 628 مليون يورو فى ملاذات ضريبية ليس لديها فيها موظفون إطلاقا".
وأشارت أوكسفام إلى أن "إساءة استخدام الملاذات الضريبية" يمكن أن يسمح للمصارف "بنقل أرباحها بشكل مفتعل لخفض مساهماتها الضريبية وتسهيل تجنيب عملائها دفع الضرائب أو الالتفاف على واجباتها الضريبية".
والملاذات الضريبية التى تتحدث عنها اوكسفام هى تلك الواردة فى اللوائح الكبرى فى هذا المجال بما فيها لائحتا منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية وصندوق النقد الدولي. لكنها أضافت دولا أخرى حسب معايير حددتها مثل معدل الضريبة المنخفض. وأخيراً ضمت اللائحة السوداء "الإمارات والبحرين".