نمو التدفقات خارج قطاع الهيدروكربونات..قراءة في موازنة 2017

تعافي النفط يدعم الإيرادات ويقلص العجز الفعلي

أحمد فضلي


عكست بيانات الموازنة العامة للدولة التي أعلن عن تفاصيلها مؤخرا، عزم الحكومة مواصلة الإنفاق على المشاريع الرئيسية، خاصة مشاريع كأس العالم، واضعة في الحسبان القطاعات الحيوية التي تعتبر دعائم الرؤية الإستراتيجية لدولة قطر، وحتى ما بعد 2030، ونعني هنا قطاعي التعليم والصحة اللذين يعتبران أهم استثمار ستراهن عليه الدولة مستقبلا.
الموازنة تضمنت عجزا تقديريا، تراجع 39.1% مقارنة بالعجز التقديري في الموازنة الماضية والبالغ نحو 46.5 مليار ريال، مع مصروفات عامة قدرت بـ198.4 مليار ريال مقابل توقعات بإيرادات تصل إلى نحو 170.1 مليار ريال، بعد أن تم اعتماد متوسط ترجيحي لبرميل النفط عند مستوى 45 دولارا عند ضبط بنود الموازنة، في ظل الخسائر التي تعرضت لها أسواق النفط.
واستنادا لقراءة متأنية وتجميع للأحداث الاقتصادية التي لها انعكاس مباشر على موازنة أي دولة، يتبين أن العجز الواقعي في موازنة دولة قطر سيكون أقل بكثير من العجز المقدر بنحو 28.3 مليار ريال وقد يصل إلى أقل من النصف، وذلك نتيجة لعدة أسباب، أولها، بل أبرزها، النظرة المتفائلة لأسعار النفط، حيث بلغ سعر برميل القياس نحو 56.38 دولار مع توقعات بأن يقفل البرميل العام 2017 على مستوى 60 دولارا، بل إن بعض التوقعات تذهب إلى أبعد من هذا السعر.
وهنا لابد من الإشارة إلى أن صادرات النفط القطرية تقدر بنحو 103.02 مليار ريال أي ما يعادل 28.3 مليار دولار بنهاية العام الماضي، وذلك وفقا لتقرير صادر عن منظمة أوبك خلال العام الجاري، فيما أشار التقرير إلى أن احتياطيات النفط الخام المؤكد لدى قطر تبلغ 25244 مليون برميل، فيما تبلغ حصتها من الإنتاج اليومي 656 ألف برميل وتصدر نحو 490 ألف برميل يوميا، أما المنتجات البترولية فتقدر بنحو 611.3 ألف برميل وتصدر يوميا 512 ألف برميل، وذلك وفقا للتقرير المذكور سابقا.
بناء على ما سبق ومع تقدير أن يكون متوسط سعر برميل النفط 55 دولارا، فإن فارق سعر البيع بين السوق العالمي وما حددته موازنة الدولة سيكون 10 دولارات للبرميل، وبالتالي فإن إجمالي الإيرادات النفطية سيرتفع إلى مستويات عالية، تضاف إليها إيرادات صادرات الدولة من الغاز الذي يلقى رواجا على المستوى العالمي، إلى جانب صادرات المكثفات البترولية. وعلى مستوى الإيرادات من القطاع غير النفطي، فإن الدولة مواصلة في دعم القطاع الخاص وتحفيزه ليساهم بشكل أو بآخر في دعم الناتج المحلي، حيث وقع التشديد في أكثر من مناسبة على أهمية هذا القطاع في مسيرة النهضة التي تعيشها الدولة، وهو ما أكد عليه معالي الشيخ عبد الله بن ناصر بن خليفة آل ثاني رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية، بأن توجيهات حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، حفظه الله، أن يكون القطاع الخاص شريكا رئيسيا للحكومة وركيزة أساسية للاقتصاد الوطني. وأوضح معاليه أن دولة قطر من أكبر الدول في الإنفاق على المشاريع الوطنية، حيث بلغ الإنفاق على المشاريع الرئيسية خلال ستة أشهر 56 مليار ريال وتم التوقيع على 16 مليار ريال في أواخر فصل الصيف، مؤكدا أن الموازنة العامة لسنة 2017 ستتضمن زيادة مخصصات المشاريع الكبرى مما سوف يكون له دور رئيسي في تعزيز النمو الاقتصادي في دولة قطر، وجاء ذلك خلال لقاء معاليه مع رؤساء مجالس إدارة الشركات المدرجة في بورصة قطر.
كما عمدت الدولة في السنوات الأخيرة إلى تنويع استثماراتها داخل قطر، وهو ما عكسته لغة الأرقام من ارتفاع مساهمة تلك الاستثمارات وخلافها في دعم موازنة الدولة حيث ارتفعت نسبتها من إجمالي الإيرادات من 47.9% في موازنة 2010-2011 لتصل في موازنة 2014-2015 إلى نحو 52.7% ويتوقع أن ترتفع النسبة إلى أكثر من 5.6% خلال 2016 بالأرقام الفعلية. ولن يقتصر تنويع قطر على استثماراتها داخل الدولة وإنما سيمتد التنويع إلى الخارج من خلال أهم جهاز استثماري على المستوى العالمي ونتحدث عن جهاز قطر للاستثمار الذي أعلن مؤخرا عن قيامه باستحواذات مهمة، إضافة إلى استعداده للدخول في الفترة المقبلة في صفقات مهمة في عدة دول وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية التي أخذت مؤشراتها الاقتصادية في التعافي مع تراجع معدل البطالة وعودة مستويات التضخم إلى المعدلات العادية. وسيكون قطاع الخدمات بمختلف أنواعه رافدا من روافد تعزيز الإيرادات غير النفطية، حيث إنه ينتظر أن يسجل هذا القطاع نموا لا يقل عن 10% خلال السنوات المقبلة، مدعوما ببعض الرسوم والضرائب التي سيتم اعتمادها انطلاقا من العام المقبل إلى جانب بدء تشغيل بعض المشاريع في انتظار التشغيل بالطاقة الكاملة على غرار ميناء حمد الذي سيكون مهما في دفع التبادل التجاري مع باقي دول المنطقة والعالم ككل.
وقد ساهم ترشيد الإنفاق وإعادة هيكلة الوزارات والمؤسسات الحكومية من دمج ومراجعات للوظائف، في تخفيض نحو 1.5 مليار ريال من بند الرواتب والأجور، يمكن اعتبارها مكسبا يحول إلى إسناد المشاريع التنموية للدولة، ومن هذا المنطلق فإن المرحلة المقبلة تقتضي المواصلة في الترشيد حتى لو تعافى الاقتصاد عالميا وارتفعت أسعار النفط.
ونستنتج مما سبق أن الموازنة العامة للدولة، ستحول تلك التحديات إلى مكاسب تدعم الاقتصاد الوطني، وتستكمل الرؤية الإستراتيجية للدولة وتبني لما بعدها.