السودان .. آفاق لاستقرار اقتصادي في ظل ثورة ديسمبر وسط معطيات معقدة

الدوحة - قنا

يشهد السودان حاليا حالة اقتصادية صعبة للغاية في أعقاب سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير في 11 ابريل الماضي بسبب الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تطورت لاحقا لمطالب سياسية غيرت معالم البلاد لعهد جديد وعلاقات انفتاحيه مع العالم مع وعود بإنهاء الأزمة الاقتصادية التي دخلت مراحل متقدمة بتأثيراتها القوية على معاش الناس حيث ورثت الحكومة الجديدة تركة مثقلة بالتعقيدات مع تدهور مريع في القطاع الاقتصادي يصعب عملية الاصلاح أمام الحاجة الملحة لمعالجات إسعافيه عاجلة لا تقبل إضافة عبء جديد على المواطن الذي أرهقته حالة الاقتصاد المتردية ووصل أعلى مراحل الضغوط فوق طاقة احتماله.

ورغم مرور أكثر من 9 أشهر منذ سقوط النظام السابق ، إلا أن الأوضاع ازدادت حدة في الأزمة من خلال زيادة الأسعار وانفلات في سعر العملات الأجنبية وعدم تحول الانفتاح الذي حدث في انفراج العلاقات الاقتصادية مع العالم إلى برامج عمل واقعية ، إلا أن الندرة في النقود والخبز والوقود اختفت مع أزمات في المواصلات وتخوف من زيادات إضافية نتيجة لرفع الدعم عن المحروقات ومما يضيف أعباء جديدة على الحكومة السقف العالي لطموحات وتطلعات الشعب بأن تضع بصورة عاجلة حدا للمعاناة الاقتصادية للبلاد.

ومن خلال هذه الأزمة جاءت أول ميزانية لثورة ديسمبر وحكومتها الانتقالية التي تمت إجازتها لتصبح سارية خلال شهر يناير 2020 ويقول وزير المالية والتخطيط الاقتصادي في السودان الدكتور ابراهيم البدوي خلال أحدث تصريحات له" إن الميزانية الجديدة جاءت لتلبية مطالب الثورة والاستجابة لشعارها حرية سلام وعدالة من حيث البرامج وتخصيص الموارد".

ويقول ، إن من أبرز مرتكزاتها والرسائل المفتاحية المبشرة التي ترتكز عليها تتمثل في تقديم دعم كبير لمشروع بناء السلام والتمييز الايجابي للولايات المتأثرة بالنزاعات والتي يبلغ عددها 11 ولاية من أصل مجمل عدد ولايات السودان البالغ 18 ولاية وتشمل الولايات المتأثرة ولايات دارفور الخمس وولايات جنوب كردفان والنيل الأزرق وولايات الشرق الثلاث بجانب ولاية غرب كردفان التي تتأثر بالنزوح.

ولفت في هذا الخصوص إلى أن 30% من الموازنة الاتحادية ستذهب إلى الولايات منها 23% تقسم لكل الولايات و7% إضافية محصورة للولايات المتأثرة بالنزاعات ، بجانب احتواء الموازنة على صندوق السلام للإعمار والتنمية والذي يهدف إلى بناء موارد كافية لتقديم الخدمات والتنمية للولايات المتأثرة بالنزاعات والحروب ، إضافة لنصيب مقدر للولايات المتأثرة من البرامج التنموية وبرامج الحماية الاجتماعية التي تحتويها الموازنة منها وتستهدف الاقلال من الفقر، لافتا إلى أن عجز ميزانية هذا العام يبلغ 80 مليار جنية سوداني ما يعادل 3.5 من الناتج المحلي.

وكشف وزير المالية في السودان ، أن الفقر المتقع يتواجد في ولايات البحر الأحمر وجنوب كردفان والنيل الأزرق وغرب ووسط وشرق دارفور لافتا إلى أن أكثر من 65% من سكان السودان الآن مصنفين تحت خط الفقر مما يجعل أمر مكافحة الفقر هدفا استراتيجيا وأساسيا للموازنة الجديدة.

ومن خلال قراءة متأنية للموازنة الجديدة التي يعول عليها كثيرا في احداث اختراق كبير لمعالجة الأوضاع الراهنة ، نجد أنها اعتمدت على زيادات كبيرة في مجال التعليم والصحة ومجانية التعليم في مرحلة الأساس ومجانية العلاج في الطوارئ والمستشفيات الحكومية مع التركيز على أهداف التنمية المستدامة محليا وعالميا ، هذا بجانب التركيز على برامج التحويل النقدي المباشر ودعم القوى الشرائية وتخفيف أعباء المعيشة لذوي الدخول الثابتة الذين هم من أكثر الشرائح تضررا من التضخم وارتفاع كلفة المعيشة من خلال زيادة المرتبات وإزالة الفوارق في الأجور.

ويرى عضو لجنة الخبراء كمال كرار ، من قوى إعلان الحرية والتغيير لإجازة موازنة العام 2020 في تصريحات نشرت له ، رفضهم لتحميل مسؤولية أعباء المعيشة للمواطنين الفقراء ، وقال " يجب أن تتوافق أهداف الميزانية مع روح البرنامج الاسعافي لقوى الحرية والتغيير الذي تم تقديمه لوزير المالية مناديا بالبعد عن أي خطوات تعيد انتاج الأزمة الاقتصادية كما كان في العهد السابق وعدم الاستجابة الكاملة لاشتراطات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لأنها ستؤدي لضرر بالغ بالوضع الاقتصادي للمواطن .

ولفت إلى أنهم قدموا بدائل لرفع الدعم تتمثل في النظر بعين الاعتبار لحالة المواطن والسعي لتخفيض الأسعار بدل ايجاد سياسات تمكن من زياداتها، وشدد على أن روح الثورة تتطلب ايجاد مسارات تلبي طموحات وتطلعات الشعب وخلق اقتصاد يلبي احتياجات المرحلة الراهنة وعدم الارتهان للمطلوبات الدولية التي ترغمنا على السير في طريق لا يخدم التقدم ، مطالبا بالاستفادة من تجارب دول مثل البرازيل والمكسيك وماليزيا التي اختطت لنفسها مسارات اقتصادية وطنية مكنتها من العبور وتحقيق نهضة اقتصادية تجد احتراما عالميا مقدرا.

فيما أكد القيادي بقوى إعلان الحرية والتغيير الدكتور ابراهيم البدوي ، أن تسريع عملية السلام سيمكن من التفرغ لقضايا المواطن وتنفيذ البرنامج الاسعافي الذي يوفر للمواطن الحياة الكريمة ومحاربة الفساد وايقاف كافة مساعي تخريب الاقتصاد وايجاد سياسات راشدة تضبط التجارة والاستفادة من عائدات الصادرات ، مؤكدا أن الخروج من الأزمة الاقتصادية يتطلب الاستغلال الأمثل لموارد البلاد في ظل انفتاح عالمي عالي الايجابيات.

فيما يؤكد المحلل الاقتصادي المهندس عادل خلف الله، أن مسيرة الاقتصاد السوداني شائكة ومعقدة لكن لجان الخبراء الخاصة بقوى إعلان الحرية والتغيير عكفت منذ وقت مبكر على دراسة الأزمة ووضع الحلول الناجحة لها، ومن المؤكد أن الحل يكمن في إيجاد سياسات إصلاح وتغيير قوية مسنودة بخبرات متوفرة الآن لإحداث التحول، وتوقع أن تشهد الفترة المقبلة خطوات متسارعة نحو الحلول بإنفاذ الميزانية الجديدة وتقدم عملية السلام وتحول ميزانيات الحرب نحو التنمية، وأكد وجود رغبة عالمية للوقوف مع السودان لتخطي كافة أزماته وهو أمر يشجع بالمضي قدما لإنفاذ الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة.

ومن أكبر المعالجات الاقتصادية لثورة ديسمبر، توفير فرص العمل للشباب حوالي 250 ألف وظيفة خلال المدى القصير، وخلال عام الميزانية 2020 ، وإعادة إطلاق النمو والتنمية المتوازنة وتعزيز مشروع التمويل الأصغر من خلال توفير ما يعادل 500 مليون دولار (أكثر من 25 مليار جنية سوداني ) للمشروع، مما سيوفر نسبة كبيرة من الوظائف الأخرى ويطلق النمو بجانب توفير وظائف إضافية في القطاعين الزراعي والصناعي من قبل المشروعات الاستثمارية الخاصة وتوفير أكثر من 30 ألف فرصة للوظائف قصيرة الأجل.

ووصف وزير المالية في السودان النمو الاقتصادي خلال السنتين الماضيتين بأنه يقدر بـ /-2% / والآن يتم استهداف نمو إيجابي 3% في حده الأدنى بالنسبة للناتج المحلي، عبر برامج متخصصة بجانب تطوير البنية التحتية المتعلقة بالقيمة المضافة وعائدات الصادرات أبرزها تطوير ساحل البحر الأحمر وبناء شبكات السكك الحديد والطرق العابرة للدول ومترو الخرطوم وإنشاء المطار العالمي لثورة ديسمبر في الخرطوم، بجانب الاستفادة من الدعم البالغ 2 مليار دولار الذي ستقدم منظومة الصناعات الدفاعي في البلاد للميزانية.

وتهدف الميزانية الجديدة الى خلق برامج اقتصادية طموحة لسودان جديد تتم فيه عمليات الدعم المالي المباشر لـ 4 ملايين و500 مواطن سوداني من أصل 900 الف أسرة فقيرة في مرحلة تجريبية في الستة أشهر الأولى من عمر الميزانية، تهدف للوصول مباشرة الى المواطن لتغطية 60% الى 80% من الفقراء وبناء عقد اجتماعي جديد بين المواطن والدولة.

لكن أكبر معضلة تواجه البلاد حاليا وتلقي جدلا واسعا ما يتعلق برفع الدعم عن السلع بين الرفض والقبول، خاصة في أعقاب إعلان وزارة المالية أن عملية رفع الدعم السلعي ستتم بصورة تدريجية وإنها الآن تدرس كيفية إنفاذ البدائل التي تمكن من تطبيق ذلك، خاصة وأن الدعم يكلف الميزانية 252 مليار جنية سوداني في العام 2020 ما يعادل 36% من الصرف الكلي.

وتقترح وزارة المالية إيجاد توافق بأن يكون الرفع تدريجيا بالنسبة للبنزين اعتبارا من شهر مارس المقبل الى شهري يوليو أو أغسطس، إضافة الى رفع تدريجي آخر للجازولين لمدة عام كامل من أغسطس 2020 الى أغسطس 2021، حيت تتراوح الزيادات التدرج من 5% الى 10% ، وتقول الوزارة إن هذه الخطوة ستغطي العجز بالكامل وسيكون لدى الدولة موازنة محصنة دون عجز مما سيؤدي للسيطرة على التضخم وعدم الاستدانة من البنك المركزي، وتؤكد أن الدعم الذي قدمته الميزانية للشرائح الفقيرة يمثل بدائل مناسبة لمواجهة أي زيادة في الأسعار أو تقلبات اقتصادية متوقعة خاصة وإنها ستطبق سياسات للسيطرة على انفلات الأسعار وضبط الاقتصاد.

وستسبق هذه الخطوة إدارة حوار مجتمعي متكامل للوصول الى القناعات التي تمكن من تطبيق ذلك برضا شعبي مساند، لكن الاختلاف في كيفية الأزمة الاقتصادية وتباين الرؤى في هذا المجال يجعل الكثير من الأصوات تعلو معارضة لأي أعباء إضافية على المواطن رغم ما أعلن من دعم اجتماعي يقلل من قوته، إلا أن تسارع وتيرة التدهور الاقتصادي وزيادة الأسعار وعدم السيطرة على أسعار سعر الصرف ووجود تخوف من عدم ثبات السوق علي نهج، يمكن البناء عليه بسبب تذبذب المعطيات الخاصة به.

يشار الى أن البيانات الصادرة من الجهاز المركزي للإحصاء حذرت من ارتفاع التضخم السنوي حيث وصل الى 60.57 خلال شهر نوفمبر 2019، ومازال ارتفاع الأسعار مستمرا في كافة السلع مما يعني توقع أن يصل التضخم الى نسبة اعلى.

ومن أساسيات التحول الاقتصادي الجديد في السودان، مدى التوافق مع سياسات البنك الدولي للتمكن من الوصول لمرحلة المنح والقروض وذلك يتطلب إجراء إصلاحات اقتصادية لإيجاد مسار أكثر استقرارا للنمو وضبط العجز والتحول الى تنوع الاقتصاد والاستجابة لمبادرات البنك الدولي ، وفي هذا الخصوص أجرى رئيس الوزراء السوداني الدكتور عبدالله حمدوك، مشاورات مكثفة مع قيادات البنك الدولي خلال زياراته لواشنطن في بداية شهر ديسمبر الماضي، لدعم بلاده وإعفائه من الديون الخارجية، وحصل على وعود إيجابية بتحركات تدعم هذه الاتجاهات وماتزال الآمال والتطلعات في انتظار تقدم يخدم المرحلة القادمة.

مجمل القول، إن الملف الاقتصادي خلال الفترة الانتقالية في السودان والذي يتقاسم الأولوية مع ملف السلام، ينتظر خطوات داخلية وخارجية كثيرة تساعده على الوصول لمرحلة التعافي، ومع تقدم ملفات السلام والاندماج في المجتمع الدولي وانفراج الملفات الاقتصادية الخارجية يتوقع تدفق استثمارات ومساعدات ضخمة من الدول الصديقة والشقيقة، تهدف إلى مساعدة السودان لتجاوز المرحلة الراهنة لمرحلة الاستقرار الذي يمكن البلاد للعبور لبر الأمان المنشود ويعزز ذلك إرادة سياسية وشعبية عالية بأن الفرصة الراهنة تحمل أسباب نجاح عالية لتحقيق ذلك.