د. لويس حبيقة

عدد المقالات : 165
عدد المشاهدات : 187100

هل تبقى روسيا دولة عظمى؟


تواجه روسيا تحديات كبرى لم تعرفها في تاريخها. بالإضافة إلى العقوبات الموضوعة عليها بعد المواجهة مع أوكرانيا، يؤثر انخفاض سعر النفط بشكل أساسي ليس فقط على النمو وإنما أيضا على الاستقرار المستقبلي للمجتمع الروسي. فالعقوبات تقطع عمليا علاقات روسيا مع النظام المالي العالمي المرتبط بالدولار وتفرض على الدولة الكثير من التقشف. 
من أهم المؤشرات السلبية انخفاض نسبة النمو السنوي من 4,3% في سنة 2011 إلى 3,4% في سنة 2012، 1,3% في سنة 2013 و 0,6% في سنة 2014. أول التقديرات لسنة 2015 تشير إلى نمو سلبي قدره 3,4% نتيجة انخفاض الصادرات من 523 مليار دولار في سنة 2013 إلى 375 مليار دولار السنة الماضية. ما زال ميزان الحساب الجاري فائضا نتيجة انخفاض الواردات، إلا أن النتيجة الإيجابية تدنت من 6,3% من الناتج في سنة 2008 إلى 1,6% في سنة 2013. أما الموازنة، فتحولت من فائضة بنسبة 5% من الناتج في سنة 2008 إلى سلبية قدرها 5% من الناتج السنة الماضية. 
ما هي أهم المخاطر التي تواجه روسيا اليوم؟ هل يمكن معالجتها كي تستمر روسيا في لعب الدور الدولي الذي ترغب به والذي يجعلها تشكل نوعا من التوازن مقابل الولايات المتحدة؟
أولا: انخفاض سعر النفط إلى 30 دولارا للبرميل وتأثير ذلك على الصادرات والاستثمارات الداخلية في البنية التحتية وبالتالي على ميزان المدفوعات والنقد. 
ثانيا: ارتباط الوضع الروسي بوجود شخص واحد هو الرئيس بوتين وانعكاس هذا الواقع سلبا على الديموقراطية والحريات داخل روسيا. هذه إحدى خصائص الدول النامية، إلا أننا نجدها واضحة في روسيا. 
ثالثا: انتشار الفساد الذي يعرقل عمل القطاع الخاص ويجعل من محاولة مكافحته مغامرة كبرى ربما لا يستطيع أحد القيام بها. 
رابعا: علاقات روسيا مع الغرب والدول المجاورة لها سيئة بسبب المطامع الروسية وسوء إدارة هذه العلاقات. العالم تغير، لكن روسيا لم تتغير بالنسب نفسها. 
خامسا: انخفاض عدد السكان من 148 مليون مواطن في سنة 1992 إلى 143 مليون اليوم، وهذا سلبي لدولة ترغب بلعب دور عالمي كبير. 
إذا كانت النتائج السلبية واضحة وغير مفاجئة بل دقيقة في بعضها، ما هي عوامل القوة في الاقتصاد الروسي والتي تجعل الإدارة الروسية تتصرف بحرية؟
أولا: وجود احتياطي نقدي كبير بالرغم من تدنيه مؤخرا بسبب العوامل التي ذكرنا. بلغ الاحتياطي النقدي بالعملات الأجنبية 538 مليار دولار في سنة 2011 ووصل إلى 362 مليار دولار في سنة 2015. 
ثانيا: حتى لو اتكلت روسيا على النفط لتمويل اقتصادها، هذا لا يعني أن الأوضاع ستبقى على ما هي عليه مستقبلا. روسيا هي من الدول التي تأمل أو تحلم بارتفاع الطلب على النفط وبالتالي ارتفاع الأسعار من جديد. 
ثالثا: أهم مؤشر قوة هو أن العقوبات لم تؤثر بشكل قوي وموجع على المواطن الروسي، وبالتالي لا يوجد حتى اليوم شعور غضب أو نقمة من الشعب تجاه الرئيس أو الحكومة. وجود كل السلع تقريبا داخل روسيا التي تبلغ مساحتها 1,8 مرة المساحة الأمريكية يسمح لها عمليا بحصول نوع من الاكتفاء الذاتي المفروض قسرا من الخارج. 
رابعا: وضعت الحكومة الروسية صندوقا لمواجهة المخاطر يبلغ 120 مليار دولار يضاف إلى الاحتياطي النقدي مما يطمئن الشعب، بل يجعله يضع ثقته بالحكم في مواجهة الخارج.
خامسا: وقعت الحكومة الروسية عقودا تسمح لها بالحصول على إيرادات تحتاج إليها. أهمها عقد لتصدير الغاز للصين بقيمة 400 مليار دولار بالإضافة إلى آخر لتصدير النفط والغاز إلى الهند.