السر سيد أحمد

عدد المقالات : 151
عدد المشاهدات : 161912

سوريا والحسابات النفطية


رغم التطورات التي تحيط بالصناعة النفطية التقليدية خاصة مع تحديات تقنية الحفر الهيدرلوكي من ناحية وتنامي الوعي البيئي واتساع دائرة الاتهامات للوقود الاحفوري بالتسبب في التغير المناخي بسبب الانبعاثات الحرارية من ناحية أخرى، الا ان دور النفط في الاوضاع الجيوسياسية لا يزال مؤثرا بدليل ما حدث في سوريا مؤخرا.

فرغم قرار الرئيس الامريكي دونالد ترمب بالانسحاب المفاجئ من سوريا وترك حلفاءه من الاكراد السوريين مكشوفين، وذلك في إطار وعده إخراج القوات الامريكية من حروب منطقة الشرق الاوسط التي لا تنتهي كما قال، الا انه وجد انه لابد له من تأمين عملية القضاء على داعش وزعيمها أبوبكر البغدادي الذي قتل في غارة أمريكية، الامر الذي يتطلب حراسة حقول النفط في الشمال السوري وأكبرها حقل العمر من أن تقع في أيدي مقاتلي داعش مرة أخرى وبالتالي توفر لهم مصدرا ماليا يسهم في إنعاش التنظيم الارهابي مرة أخرى خاصة والقناعة السائدة انه رغم هزيمة داعش الا انها لم تنته كتنظيم وأيديولوجية وتظل قابلة للانتعاش مرة أخرى.

قرار ترمب يشير من ناحية الى الورطة التي وجد نفسه فيها، وهو ما يظهر بتفحص الخيارات المتاحة. فأما أن تستمر القوات الامريكية في حراسة تلك الحقول وهو ما يتناقض مع استراتيجيته للخروج وضعا في الاعتبار العامل الانتخابي اضافة الى العبء المالي علما ان الولايات المتحدة لا يمكنها استغلال تلك الاحتياطيات لان وجودها هناك لم يتم برضا الدولة السورية، وحتى دعوة ترمب للشركات الامريكية مثل اكسون/موبيل بتولي أمر هذه الحقول لم ترد عليه الشركة حتى وذلك بسبب العوائق القانونية اضافة الى ان المنطقة لا تتمتع باحتياطي نفطي ضخم يبرر لشركة مثل أكسون المغامرة.

يبقى الخيار العملي أن تعود المنطقة الى سيادة الحكومة السورية وهي خسرت حوالي 90 في المائة من الانتاج النفطي الذي كان يغطي جزءا كبيرا من احتياجاتها. ومع ان حجم ذلك الانتاج في حدود 400 ألف برميل يوميا الا انها يمكن أن توفر قاعدة لبدء برنامج الاعمار الذي تقدر تكلفته بحوالي 200 مليار دولار.

أهم من ذلك ان تأمين المنطقة الشمالية السورية وفي ضوء التحولات الجيوستراتيجية التي تشهدها المنطقة يمكن أن يفتح المجال لإحياء فكرة خط الانابيب التركي-العراقي-السوري الذي يمكن أن ينقل الغاز الى أوروبا، وهي الفكرة التي طرحت بصورة جدية منذ سبع سنوات واعتبرت أحد عوامل اشتعال واستمرار الحرب السورية طوال هذه الفترة. وبغض النظر عما يمكن ان ينتهي اليه الوضع فإن الكاسب الاكبر من خطوة ترمب فيما يبدو خصوم واشنطون الحاليين من موسكو وطهران وأنقرة ودمشق. 

وهكذا وبعد أكثر من 160 عاما من اكتشاف أول بئر نفط لايزال السائل الاسود يحافظ على خاصيته المتفردة سلعة ذات قيمة استراتيجية.