ممدوح الولي

عدد المقالات : 172
عدد المشاهدات : 209974

موازنات أقل للأقاليم عربياً


تكررت حوادث إشعال عدد من الشباب التونسى النار بأنفسهم بالسنوات الأخيرة، احتجاجا على تردى الأوضاع المعيشية بمناطق الجنوب، أسوة بما فعله الشاب التونسى محمد بوعزيزى عام 2010. 

وشاركت عدة أقاليم بالإحتجاجات التى شهدتها العراق ولبنان والسودان، بسبب تردى الأوضاع المعيشية بها، خاصة مع إنتشار ظاهرة استحواذ العواصم العربية على النصيب الأكبر بالموازنة، على حساب الأقاليم الأكثر سكانا والأكثر إحتياجا. 

ويبدو أن مناطق الجنوب عربيا تجد إهتماما أقل، فالجنوب الجزائرى أكثر حرمانا من الشمال الساحلى مثل تونس، والجنوب المصرى هو الأكثر بمعدلات الفقر والبطالة حتى أصبح طاردا للعمالة سواء الى محافظات أخرى بالداخل أو لدول أخرى. 

وفى مصر قام البرنامج الإنمائى للأمم المتحدة بالتعاون مع وزارة التنمية المحلية عام 2003، بإصدار تقارير لأوضاع التنمية البشرية بالمحافظات، وتضمنت التقارير صورة تفصيلية على مستوى القرية تعليميا وصحيا ورياضيا ومن كافة النواحى، بحيث يسهل توجيه الموازنات الحكومية حسب شدة تلك الإحتياجات، بالبدء بالقرى الأقل فى عدد المدارس والأكثر بكثافة الفصول التعليمية وهكذا بباقى الخدمات. 

لكن توزيع الموازنات سار على نفس النهج القديم المرتبط بقرارات مركزية، وبوجود وزراء بالحكومة من تلك المحافظات وبمدى نفوذ ممثلى البرلمان بالمحافظة، رغم إنشاء مراكز للمعلومات بالقرى تحدد مستوى الخدمات بها من كافة النواحى.

 كالطرق والكهرباء ومياه الشرب والصرف الصحى والإسكان والأنشطة الإقتصادية والمشاكل الإجتماعية كالفقر والبطالة والأمية والعنوسة وغيرها، لكن مخرجات تلك المراكز لم يستفد بها أحد رغم تحديثها دوريا. 

وتشير مخصصات الإدارة المحلية بالموازنة المصرية بالعام المالى الحالى 2019/2020 لذلك التباين، حيث تضمن التوزيع النسبى للإستخدامات توجه نسبة 84 % للجهاز الإدارى المتمثل فى الوزارات، ونسبة 8.5 % للهيئات الخدمية وأقل من 8 % للإدارة المحلية التى تشمل دواوين عموم المحافظات السبع والعشرين ومديريات الخدمات بالمحافظات. 

وتوضح الصورة التفصيلية لتوزيع تلك المخصصات أن أجور العاملين بالمحليات قد حظيت بنسبة 79 % من مجمل المخصصات، بينما كان نصيب الإستثمارات التى تعنى بإنشاء البنية الأساسية والمدارس والمستشفيات 10 %، وشراء السلع والخدمات من وقود ومستلزمات طبع وصيانة وإنتقالات وأدوية ومستلزمات طبية وتعليمية 9 %. 

ومع وجود 11 تخصصا للمديريات الخدمية من تعليم وصحة وإسكان ومرافق وطرق وزراعة وطب بيطرى وتموين وتضامن اجتماعى وقوى عاملة وشباب، فإن نسبة الأجور من إجمالى مخصصاتها قد بلغت 97 % بمديريات الزراعة، و94.5 % بمديريات الإسكان فكم يتبقى لبناء المساكن؟

ونفس النسبة بمديريات الطب البيطرى فكم يتبقى لشراء اللقاحات؟ و93 % بمديريات التعليم فكم يتبقى لإنشاء المدارس؟ و85 % بمديريات الصحة فكم يتبقى لشراء المستلزمات الطبية وانشاء المستشفيات؟ 

وربما يرى البعض أن تلك المحافظات الطاردة للعمالة أصبحت تتلقى تحويلات خارجية دورية يمكن الإستفادة بها فى إنشاء شركات ومشروعات، واستخدام وسائل التمويل غير المصرفى المتعددة بإستغلال ميزتها التنافسية، لكن تلك المحافظات وغيرها تأتى قياداتها عادة من قبل الجيش والشرطة.

 وهؤلاء لا دراية كافية لهم بتخصصات الحكم المحلى من توفير مياه للرى والأسمدة للزراعة والسلع الغذائية ومياه الشرب والصرف الصحى والنظافة وغيرها من الإحتياجيات اليومية، ولهذا يخفقون بمهمتهم فيتم تغييرهم بعد فترة قصيرة بغيرهم من نفس الجهات، لتتكرر التجربة على حساب إستمرار معاناة سكان الأقاليم.