سعود الحارثي

عدد المقالات : 172
عدد المشاهدات : 208360

ينابيع المعرفة أطفأت حمم الحروب 5/5

كيف تتحول هذه القرى الصغيرة في النمسا إلى طاقة هائلة من الحياة والنشاط والحيوية، فتستقطب عشرات الفنانين من مسرحيين ورسامين وقارعي الطبول وعازفي الموسيقى والرقص والرسم والفنون الجميلة وتعيد لتلك القرى الجمال والروح والحركة في كل شيء؟؟ عشرات القرى تحولت إلى نزل وفنادق ومطاعم ومقاهي وأكشاك لبيع التذكارات وأنشطة سياحية متنوعة يزورها في اليوم عشرات الأفواج من السياح من جميع أنحاء العالم لمجرد أن موقعها استراتيجي في سفح جبل أو واديا جميلا بعبرها أو بها معالم وبيوتات وأزقة قديمة أو شلال جميل يصب مياهه من قمة الجبل... وهل تنقصنا في بلادنا الطبيعة والتاريخ والجبال والقلاع والرمال والقرى الجميلة الجذابة؟؟ لماذا لا نحول بعضها إلى طاقة من الحياة والنشاط والجاذبية ومورد مالي نستفيد منه كما هو حال بلاد العالم ؟؟

أسئلة نطرحها باستمرار فلا نجد إجابة عليها من مسؤولينا للأسف الشديد. يتواجد الخليجيون في النمسا بكثافة يتنقلون مع أسرهم وأصدقائهم بين القرى والمدن والمعالم السياحية بسيارات مستأجرة يقودونها بأنفسهم، وقد أثروا السياحة في هذا البلد والبلدان الأوروبية الأخرى، وانتعشت المطاعم والمقاهي والفنادق والمكاتب السياحية التي يديرها العرب والمسلمون خاصة، وأصبح مصطلح (حلال) أمام المطاعم علامة على وجود السياح والمقيمين العرب في هذه القرية والمنطقة أو تلك، وترويجا لجذب المزيد. نغادر بلاد الألمان ونرتمي في أحضان براغ، وتستقبلنا المدن النمساوية، ونستمتع بالريف الإيطالي، ونتوغل في القرى السويسرية المعلقة على سفوح الألب... ويحدث أن ننتقل من قرية في هذه الدولة الى مدينة في أخرى أو العكس، فلا نقف في طابور على الحدود ولا أحد يحقق معنا أو يطلب جوازاتنا ولا نرى حرسا ولا مراكز تعرفنا بأننا غادرنا بلدا ووصلنا أخرى، ذاك على ما بينهما من عداوات تاريخية وحروب وصراعات مدمرة، وتنتابنا الحسرة والألم والغيرة على بلاد العرب التي يقف مواطنها على حدودها ساعات وحيث يمنع عرب عن دخول بلادهم وحيث يحظر على القطري دخول بلدان خليجية... ففي أي عصر وبين أي عالم يعيش العرب؟. 

ميونيخ - براغ - سالزبورغ - أنسبروك - أورتيسي القرية الفاتنة في الريف الايطالي التي تحتضنها الجبال، ويظللها الغمام، وترويها الينابيع الصافية العذبة، وتزقزق في بساتينها وجنانها العصافير التي تتقافز وتتراقص هاشة باشة تداعب القادمين مبتهجة فرحة، فذاك هو سر الطبيعة المتفردة للقرية، بل وتشاركهم طعامهم ألفة وصفاء ومحبة، وتسقي أزهارها ملايين النحلات فتنتج أجود رحيق على وجه الأرض، والتي أحببتها كثيرا - فيبيتينو التي تتضوع من مبانيها عراقة الماضي، إذ يعود تاريخها إلى العصور الوسطى ويمدها بالنشاط والحيوية والحياة نهر إساك، سامنان القرية السويسرية التي تستمد الحياة والجمال من سفوح جبال الألب وينابيعه العذبة، سان مورتيز التي تتلألأ صفحة بحيرتها الساحرة بحبات لؤلؤ تشكلها أشعة شمس بهية، غارميش التي تستقطب الكثير من السياح العرب وتتوسط الطريق بين ميونيخ وأنسبروك... مدن وقرى حية نشطة ساحرة في حسنها وجمالها تروق للسياح بما تقدمه لهم من الجديد، فالعقول السياسية والثقافية والاقتصادية والعلمية... هنا ولادة منشغلة بالإنتاج والتطوير والابتكار والتحديث والعصرنة، وهي جميعها متحدة متفقة تنسق جهودها لإحداث المزيد من التقدم والازدهار الاقتصادي فطموحات الإنسان لا تحدها حدود.