د. عثمان الذوادي

عدد المقالات : 3
عدد المشاهدات : 1719

ارتفاع مبيعات الجمعة الأسود.. مؤشر سلبي للمولات

شهدت الحركة في قطاع التجزئة زيادة ملحوظة خلال عطلة نهاية الأسبوع بسبب العروض التي قدمتها أبرز الماركات العالمية بمناسبة الجمعة الأسود. بالعودة الى تاريخ هذه المناسبة نجد ان شرطة فيلادلفيا هي من أطلقت عبارة «الجمعة الأسود» في الستينيات ولسبب مختلف تماماً. كانت المدينة تحتضن مناسبة رياضية بالتزامن مع يوم عيد الشكر الذي يعتبر إجازة وطنية أمريكية (وكندية) تقع في اخر خميس من شهر نوفمبر. وكانت شوارع فيلادلفيا تعاني من اختناق شديد في أيام الجمعة والسبت التي تعقب عيد الشكر وتحتاج الشرطة الى استنفار جميع افرادها وبالتالي حرمانهم من الاستمتاع الكامل بالعطلة الرسمية. لذا كان الهدف من المصطلح تحذير السكان من الاختناق المروري والتقليل من حركة السيارات. ومنذ الثمانينيات أصبح «الجمعة الأسود» مناسبة تسويقية وبداية انطلاق موسم التسوق للأعياد والذي يشمل شراء الهدايا والتحضير لاحتفالات الكريسماس ونهاية السنة. وحديثاً اخذت هذه المناسبة بعدا عالميا ووصلت لدول كثيرة وهذا ما سنناقشه في هذا المقال. 

تسعى الشركات في «الجمعة الأسود» الى جذب الزبائن الى الشراء عبر تقديم عروض خيالية على منتجات محددة، وتستخدم استراتيجية تسعيرة تسمى loss-leader البيع بخسارة. ويتم عرض منتجات بأسعار مخفضة بشكل يحفز الزبائن لزيارة المحلات لاقتناص الفرصة من التخفيضات. العائد للشركات يأتي من توسيع دائرة المشتريات لتشمل منتجات لا يوجد عليها عروض، او مخفضة بشكل لا يذكر. لذا أكثر شيء يضر الشركات في «الجمعة الأسود» هو التزام الزبائن بشراء المنتجات المخفضة فقط. 

وفي السنوات الأخيرة ارتفعت حصة المبيعات الالكترونية من اجمالي مبيعات التجزئة، هذا التطور في السوق دفع الشركات الامريكية الى فتح المجال امام الزبائن الذين يفضلون التسوق الإلكتروني للاستفادة من «الجمعة الأسود» بدون مغادرة منازلهم. هذه النسخة الالكترونية من «الجمعة الأسود» تسمى «Cyber Monday» سايبر الاثنين. وقد ساهم انتشار مقاطع مصورة لتزاحم زبائن امام المحلات التجارية ولتصرفات غير حضارية تحصل خلال «الجمعة الأسود» الى زيادة الاهتمام بالعروض الالكترونية. ومع انتشار برامج CRM لإدارة علاقات العملاء، تمكنت الشركات من جعل العروض الالكترونية مفصلة لكل عميل. فالعملاء المستمرون مع الشركة من سنوات ويحملون بطاقات عضوية تمكن الشركة من متابعة مشترياتهم، يتم تقديم عروض لهم تناسب احتياجاتهم، وبأسعاره مخفضة كنوع من المكافأة على ولائهم لهذه الشركات.

وتزامن انتقال «الجمعة الأسود» من كونه داخل المحلات الى الفضاء الالكتروني، مع فتح المجال للشحن خارج امريكا من قبل شركات رائدة في السوق الالكتروني مثل امازون. هذا التطور دفع قطاعات مختلفة لتقديم خدمات تساعد الشراء الالكتروني، مثل خدمة شحن مخصصة للمشتريات من أمريكا وبطاقات ائتمانية آمنه للمشتريات الالكترونية. المتغيرات السابقة مهدت الطريق لظاهرة «الجمعة الأسود» للانتقال من كونها مناسبة تسويقية أمريكية مرتبطة بعيد الشكر الى كونها ظاهرة عالمية بدأنا نرى انتشارها أمامنا.

 وبالعودة لعنوان المقال، فان الامر السلبي للمولات هو ما سيأتي بعد انتشار الظاهرة محلياً. فوجودها بهذه القوة دليل على تأثر قطاعات كبيرة من الزبائن بالتسوق الالكتروني. وقد يكون التحدي الظاهر امام بعض المولات هي المنافسة من مولات جديدة تقدم تجربة تسوق أفضل، الا ان المنافسة الاخطر تأتي من التسوق الالكتروني. لذا ما سيأتي بعد فرحة الزبائن بالتخفيضات هو المقارنة مع ما تقدمه المواقع الالكترونية من عروض منافسة. ومع استمرار هذه الظاهرة بالانتشار سنرى توسعا في الانتقال للشراء عبر المواقع الالكترونية من قطاعات من الزبائن لم يسبق لها خوض هذه التجربة. وقد يصعب وقف هذا التغير في السوق، الا ان كسب ثقة الزبائن أمر مهم ويمكن تحقيقه عبر جعل التخفيضات المقدمة حقيقية ومنافسة لكل ما يقدم الكترونياً، قدر الإمكان.