د. لويس حبيقة

عدد المقالات : 165
عدد المشاهدات : 187101

الرأسمالية والأزمات


بعد أكثر من عشر سنوات على «الركود الكبير»، لا زال الخلاف مستمرا حول الأسباب وطرق المعالجة. اذا كنا نختلف كمتابعين بالنسبة الى الأسباب، فكيف نتفق على العلاج والحل؟ من هو المسؤول أو من هم المسؤولون عن كارثة 2008 وهل كان يجب أن تحصل المحاسبة بجدية أكثر منعا للتكرار؟ نعلم جميعا أن للنجاحات مئات الآباء والأمهات، أما السقوط فيبقى دائما يتيما اذ يتهرب الجميع منه ومن المسؤولية. الهدف ليس فقط تفسير ما حدث وانما أخذ الدروس الصحيحة لتجنب تكرار هذه الكوارث المالية الاقتصادية.

يخشى دائما بعد الأزمات من أن تطبق السلطات الرسمية حلولا قاسية تعرقل النمو المستقبلي وتضر بركائز الاقتصاد على المدى البعيد. لذا دراسة الحلول مهمة جدا كي يكون العلاج بمستوى الأزمة وليس أقل أو أكثر. تشير التجارب الى أن السلطات في آسيا وأميركا اللاتينية وروسيا وغيرها وضعت قوانين وقواعد واجراءات قاسية جدا بعد الأزمات لعدم معرفتها للأسباب الحقيقية، وبالتالي أضرت بالاقتصادات ومنعت عمليا نهوضها. العلاجات ضرورية دائما شرط أن تكون صحيحة وموزونة وليس مبالغا فيها. المشكلة الأسواء هي اعتماد علاجات خاطئة.

الجميع متفق على أن أزمة 2008 بدأت في القطاع العقاري الأميركي وانتشرت وطنيا ودوليا بسبب حجم الاقتصاد الأميركي وعمق المشكلة. شكل الركود الكبير خضة كبيرة في الاقتصاد الدولي الذي كان ينمو سنويا بمعدل 3.5% خلال العقد الذي سبق وتراجع بأكثر من 1% في سنة 2009. هذه نقلة نوعية سلبية أطاحت بالنمو والتفاؤل وجعلت الجميع يدرس ويفتش عن الأسباب الحقيقية للأزمة. لم يكن أحد يتوقع أن تحصل الأزمة بالشدة التي حصلت فيها، بمن فيهم أهم الاقتصاديين العالميين والذين يتعاملون في السوق شراء ومبيعا. النمو كان قويا وكان الجميع يتوقع أن يستمر هذا النمو الى ما لا نهاية.

هل تعود أسباب السقوط الى عوامل السوق العادية أي الى جنون العرض والطلب أم هنالك دوافع لجعل العرض والطلب يتحركان بشكل غير طبيعي حتى لا نقول اصطناعي؟ هل تكمن المشكلة في النظام الرأسمالي نفسه؟ هل تنتج الرأسمالية أزمات من داخلها نتيجة قواعد العمل التي أحدثت فجوات كبرى في الدخل والثروة؟ اذا كانت المشكلة مرتبطة بالنظام نفسه، تصبح المعالجة أدق بكثير حيث يجب عندها ايجاد البدائل التي لا تتوافر اليوم. الأنظمة الأخرى كالشيوعية والاشتراكية لم تعط النتائج الجيدة والخلاف يدور اليوم واقعيا حول أي شكل من الرأسمالية يجب تطبيقه؟ هنالك فوارق مهمة بين الأنظمة الأميركية والأوروبية والاسكندنافية لا يمكن تجاهلها. يقول «جورج سوروس» المستثمر المجري الذي اختارته صحيفة «فاينانشل تايمز» رجل 2018 «أنه منذ وصول ريغان وتاتشر الى الحكم، أصبح اقتصاد السوق الفكر الأيديولوجي المسيطر عالميا». لا بد وأن يتجدد النقاش اليوم حول التعديلات المطلوبة للنظام الرأسمالي الأفضل. مع ذهاب «كريستين لاغارد» من صندوق النقد الى المصرف المركزي الأوروبي، ربما نستفيد من بديل له عمق الفكر والتجربة.