سعود الحارثي

عدد المقالات : 167
عدد المشاهدات : 204481

ينابيع المعرفة أطفأت حمم الحروب


بين اليوم وما قبل ثلاثة عقود من الزمن شهدت ثقافة السفر والسياحة وإجراءاتهما واختيار محطات التطواف، تطورات وطفرات هائلة، تقدمت عبرها مفاهيم السياحة ودخلت دول ومناطق كثيرة ضمن قائمة الاختيارات وتعددت الوجهات وباتت المعلومات بأشكالها متوفرة التقريرية والمصورة، الجامدة والمتحركة، وما على الذين يقررون السفر للاستجمام والاستكشاف والتسوق والعلاج... سوى البحث عما يناسبهم ليختاروا منها بغيتهم، وكنت قبل ثلاثة عقود أتجشم عناء التردد على مكتبي (الوطني وبهوان للسفر والسياحة)، إذ لا ينافسهما منافس في ذلك الزمان، باحثا عن الأفضل عروضا وسعرا، وكانت الإجراءات أيامها تستغرق وقتا ليس بالقليل في استعراض المدن المرشحة والعروض المقدمة والأسعار المحددة لكل منها مع ما يتطلبه ذلك من تغيير في عدد الأيام والأماكن أحيانا ليتناسب العرض والمحتوى - الذي يشمل في العادة حجز التذكرة والاقامة في الفنادق والاستقبال من المطار وجولات سياحية محددة - مع الطلب ورغبة أفراد الأسرة، وكنت أزور مكتب السفريات أكثر من مرة للاطلاع على العروض والاختيار، والاتفاق ودفع المبالغ التي تكون نقدا - فلم تكن بطاقات الدفع موجودة آنذاك - واستلام التذاكر وحجوزات الفنادق...الخ،

وكانت الدول والمناطق الصالحة لاستقبال الأسر العربية والخليجية محدودة لضعف الخدمات وغياب الأمن واتساع دائرة الحروب والفقر ولأن بعضها غير معروف ولا توجد معلومات عنها لدى السائح وأخرى غير مهيأة سياحيا أو لأن خطوط الطيران تحتاج إلى أكثر من محطة للوصول إليها مما يشكل إرهاقا للمسافر، وشركات الطيران العالمية محدودة والطيران الوطني لم يولد بعد، فقد كانت معظم دول الخليج عضوا مساهما تشترك في ناقل واحد (طيران الخليج)، والخليجيون لذلك يفضلونه عن غيره. أما اليوم فأجلس متوسدا الكنبة في غرفتي الخاصة أتابع أبنائي وهم يلجون إلى شاشة جهازهم المحمول يبحثون - بكبسة زر - ويتجولون بين عدد من المواقع المتخصصة يختارون الفنادق التي تناسبهم بعد الاطمئنان إلى قراءة تقييمات من سكنوا فيها وموقعها والخدمات التي تقدمها وينهون حجوزات التذاكر خلال أقل من ساعة، وأنا فقط أتابع بحسرة جهازي النقال وهو يستقبل الرسائل التي تصل من البنك بالخصومات المتتالية، وأشاهد الأرقام في حسابي تتراجع والمجموع يفقد بضعة آلاف من الريالات، وأفكر ساعتها في كيفية تعويض ما فقدته على شكل منافع لا مادية، معارف ومعلومات واكتشافات جديدة واستجمام مريح تضيفها لي ولأسرتي الوجهة الجديدة. هذه الحشود البشرية المتدفقة في المطارات والفنادق والأسواق ووسائل النقل والشوارع والمعالم السياحية، ألمان، صينيون، هنود، أمريكيون، فرنسيون، عرب، يابانيون، بلجيك، أفارقة... جميعهم انصهروا في قالب إنساني عجيب لم تعرفه البشرية من قبل، ذابت فيه كل الفوارق فتعالى على أواصر الشعب واللون والعرق والدين والجماعة والقبيلة، لقد قادت تطورات شبكات النقل والاتصالات المتتالية، التي يسرت المشاق وأزالت المعيقات واختصرت المسافات من أشهر فأسابيع، إلى أيام فساعات قصيرة، تطير بنا الطائرة من الشرق إلى الغرب أو العكس، والمصالح الاقتصادية ومنافع السوق المتبادلة وتبادل السلع والأعمال إلى تبني ورسوخ قيم العولمة التي رفعت من شأن الفرد، فأصبحت مقاييس النجاح والإبداع والابتكار هي المعايير الحقيقية المعتمدة للتفوق والتميز، ونجحت ينابيع المعرفة في إخماد حمم الحروب في العالم المتقدم بعد أن ظلت ملتهبة لعقود طويلة من الزمن تسببت في كوارث هائلة على البشرية.