د. لويس حبيقة

عدد المقالات : 166
عدد المشاهدات : 187290

العقوبات والنمو


حديث الساعة عالميا يدور اليوم حول أهمية الثروات الطبيعية من معدنية وزراعية، أي حول كيفية تأمين استمرارية العرض وتأثيره على الأسعار. بما أن الدول النامية والناشئة تعتمد بشكل أساسي على ثروتها الطبيعية وقيمتها، تدخل أسواق الغنى الطبيعي ضمن سياسات التنمية والتطور بما فيها الأوضاع المعيشية. تكمن أهمية الثروة الطبيعية اليوم بسبب العقوبات المنتشرة شمالا ويمينا ليس فقط على فنزويلا وإيران وإنما على روسيا وكوريا الشمالية وكوبا وغيرها. التحدي العالمي هو كيفية الحفاظ على أسعار مقبولة عندما يتحدد العرض قسرا عبر العقوبات. هنالك موضوع أساسي آخر هو تأثير الثروة الطبيعية على النمو. هل الدول الغنية طبيعيا تنمو بسرعة أعلى أو أدنى من تلك التي لا تنعم بثروات طبيعية؟ هنالك مؤشرات تشير إلى اتكالية الدول الغنية طبيعيا على ثرواتها، وبالتالي لا تبذل الجهد الكافي لتحقيق النمو العام.

نرى مثلا أن الدول النفطية تنمو بسرعة عندما تكون أسعار النفط مرتفعة كما حصل في فترة  1960 - 1980. عندها ارتفعت نسب الادخار إلى 38% من الناتج أي من 33% في الفترة المماثلة التي سبقت وإلى 30% في الفترة التي تلت. تمكن مقارنة الـ 38% بنسبة 18% لمجموع الدول النامية أي الضعف وهذا فارق مهم جدا. في فترة 1960 - 1980، ارتفعت نسبة نمو الناتج الفردي في الدول المصدرة للنفط إلى 5,2% سنويا مقارنة بـ 3% لمجموعة الدول النامية. مقارنة بالفترات الزمنية الأخرى وللدول النفطية، كانت 1,1% ما قبل 1960 وانحدرت سنويا أي حققت نموا سلبيا ما بعد 1980. هذا يعني أن الدول النفطية لم تستثمر سابقا ثرواتها في الاقتصاد الإنتاجي بل ترفع مستوى معيشتها عندما تكون أسعار النفط مرتفعة وتلجأ إلى التقشف والاستدانة عندما تنخفض الأسعار. حكما ورأي الجميع أن هذه السياسات ليست فضلى، وهنالك وعي واضح اليوم لضرورة التنويع الاقتصادي حفاظا على المستوى المعيشي.

هل أن تأثير أسعار المواد الأولية وفي طليعتها النفط يقتصر فقط على النمو أو يمتد إلى أمور أخرى كالمؤسسات والقوانين؟ تشير الوقائع إلى أن الدول المعتمدة على الثروات الطبيعية تستورد الكثير وبالتالي تعاني من الضغط على الأسعار أي من التضخم الذي يصيب الفقراء أولا والطبقات الوسطى ثانيا. بسبب ارتفاع الطلب تتحسن قيمة النقد الوطني، لكن بعض هذه الدول ومنعا لارتفاع أسعار صرف نقدها تعتمد سياسات تثبت سعر الصرف اصطناعيا. يحصل هذا في الدول التي لا تعطي مصرفها المركزي استقلالية القرار، أو بالأحرى عندما يخضع مصرفها المركزي لسلطة الحكومة ووزارة المال. هنا تكمن أهمية «استقلالية» المصرف المركزي التي تعتمدها الولايات المتحدة ومنطقة اليورو والعديد من الدول الأخرى. لذا يحاول الرئيس ترامب اليوم دون نجاح إخضاع سلطة المصرف المركزي لإدارته عبر محاولة تعيين محازبين له في مجلس الإدارة. فشل لأن الحزبين الجمهوري والديمقراطي يريدان الحفاظ على الاستقلالية المتمثلة اليوم في الإدارة الحكيمة لـ «جي باول» رئيسه.