د. عبد الرحيم الهور

عدد المقالات : 154
عدد المشاهدات : 194194

تونس ورقة الزيتون

تمر تونس الآن بمخاض عسير في ولادة الديمقراطية بأكثر أشكالها تطورا في المنطقة العربية على الرغم من أنها لم تحكم فعلياً منذ استقلالها عام 1956 إلا من شخصين وهما الحبيب بورقيبة حتى عام 1987 وبعده زين العابدين الذي حكم حتى 2011، ومنذ ذلك الحين بدأت تتأطر الحياة السياسية المؤسسية المبنية على التعددية الحزبية والإرث التنوعي بين العلمانية والدين السياسي وما بينهما، وطبعاً لا ننسى التبعيات الدولية والاتفاقيات الإستراتيجية، وأفرزت التجربة منذ ذلك الحين مخرجات سياسية قابلة للحياة والتطور.

ومن عناصر قوة الدولة التونسية والتي ساعدتها كثيرا في تخطي الأزمات القريبة التي رافقت الثورة التونسية هي الانتماء الوطني القوي لدى الشعب التونسي والذي يعززه غياب أشكال الطائفية والنزعات العرقية، فمعظم التونسيين من الأمازيغ والعرب والأوربيين لديهم جميعا قومية واحدة وهي التونسية المطلقة، لذلك أعتقد أن من الصعب جداً قيام أي نزاع داخلي تونسي مبني على طائفية أو عرقية، إذا هي تجربة سياسية متداخلة في الماضي تشبه الدكتاتوريات التي تسحق الحياة الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية في البلاد ولكن لم تكن هذه هي النتائج، فالتونسيون خلوقون بالفطرة، محبون للخير بشكل عام يتركون انطباعا حسناً أينما ذهبوا، متعلمين بالمعنى الشمولي، مثقفين بالمعنى الخاص وهنا أقصد أنه من السهل أن نطلق صفات عامة على أهل بلد ما لكن تبقى هنالك الصفات والفروق الفردية لا شك في ذلك. إن تونس الخضراء على شواطئ المتوسط في الشمال الأفريقي بين الجزائر وليبيا وفي مواجهة القارة الأوروبية استطاعت بملايينها العشرة من السكان أن تكون مركز ثقل وتوازن للسياسة العربية ومحط أنظار الكثيرين، بجهود أبنائها المخلصين، وفي هذه الأيام تولد حضارة جديدة مبنية على إرث متنوع ولكن أساس متين منذ أيّام الفينيقيين والأمازيغ والقرطاجيين والونداليين والرومان حتى قرطاج ثاني المدن الإسلامية في شمال أفريقيا مبكرا في العام الـ 50 للهجرة، حتى وصلت إلى اليوم لتبني عصرا جديدا ليس لنا إلا أن نتمنى للإخوة التونسيين التوفيق في عرسهم الديمقراطي ونوصي دائماً بثقافة تقبل الآخر وعدم الإقصاء واحتواء القديم وبناء الجديد والتركيز على المؤسسية والترفع عن الخلافات وضبط التوازنات والتحالفات الدولية بما يضمن مصلحة الداخل والثبات فيما يتعلق بقضايا الأمة المصيرية الإستراتيجية العادلة، ولتونس من جبل الشعانبي إلى شط الغرسة تحية وإلى لقاء.