سعود الحارثي

عدد المقالات : 186
عدد المشاهدات : 219808

التنمية حرية

في فصل آخر يلقي المؤلف الضوء على حقيقة مهمة تؤكد على دور الضمانات الاجتماعية وتوفر وتطور بنية الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم كمحركات دافعة لنجاح سياسات النمو الاقتصادي والتقدم بشكل عام، عارضا مقارنة مهمة لنموذجي الصين التي تحققت نهضتها الاقتصادية (بعد أن شرعت في التحول إلى اقتصاد السوق في عام ١٩٧٩) لأن لديها بالفعل (شعب على مستوى عال من التعليم، خاصة بين الشباب، ولديها منشآت مدرسية على نطاق البلاد جميعها)، فكان لشعبها الدور الأساسي في (امتلاك الفرص الاقتصادية)، على عكس الهند التي (كان نصف سكانها من البالغين أميين عندما شرعت في التحول إلى اقتصاد السوق في عام ١٩٩١)، فظلت النتائج (دون تحسن كبير). كما يشير الكاتب إلى جزئية مهمة في الكتاب، تتعلق بحاجة الناس دائما إلى الحماية من المخاطر التي يواجهونها في طريق حصولهم على الدخل الذي يتقون به الفقر والجوع، ولا يتحقق ذلك إلا في ظل نظام ديمقراطي، وهنا يطرح الكاتب سؤالا محوريا يشكل الأساس لموضوع كتابه، أيهما أولى (أولا - القضاء على الفقر والبؤس، أم كفالة الحرية السياسية والحقوق المدنية التي لا يفيد بهما الناس كثيرا بأي حال من الأحوال)، ألا يعتبر (تركيز الاهتمام على الديمقراطية والحرية السياسية ضرب من الترف لا يتحمله بلد فقير؟). ويجيب الكاتب على سؤاله من واقع خبراته الواسعة وتخصصاته العلمية ودراسته العميقة وملاحظاته الدقيقة وما قدمه من أمثلة ونماذج بطرح سؤال ذكي مغاير يحمل في طياته الإجابة على السؤال الأساسي: ولكن هل من المقبول أن (نتناول مشكلات الاحتياجات الاقتصادية والحريات السياسية في ضوء تقسيم ثنائي أساسي من شأنه، كما يبدو، أن يقوض صلة الحرية السياسية بالموضوع بحجة أن الاحتياجات الاقتصادية أشد إلحاحا؟). إذا ما تأكد لنا بأن (الحريات السياسية يمكن أن يكون لها دور مهم في توفير الحوافز والمعلومات؛ من أجل حل الضرورات الاقتصادية الملحة). ويستند الكاتب في التأكيد على قناعاته على اعتبارات (ثلاثة مختلفة تقودنا في اتجاه القول بغلبة الحقوق السياسية والليبرالية الأساسية هي: 

١- أهميتها المباشرة في الحياة الإنسانية في اقتران بالقدرات الأساسية (بما في ذلك المشاركة السياسية والاجتماعية). 

٢- دورها الأداتي لتعزيز الحجج التي يدلي بها الناس عند التعبير ودعم مطالباتهم بالاهتمام السياسي(بما في ذلك مطالباتهم بشأن الاحتياجات الاقتصادية ). 

٣- دورها البنائي في صياغة المفاهيم عن «الاحتياجات» (بما في ذلك فهم «الاحتياجات الاقتصادية» في سياق اجتماعي). ويختم الكاتب كتابه بعبارة نقلها عن وليام كوبر تمتدح الحرية وتعلي من قدرها وتعبر بصدق عن الرسالة التي أراد هذا الكتاب أن يبلغها: «الحرية تزهو بألف وجه من الجمال الفتان لا يعرفها العبيد مهما كانوا بحياتهم قانعين».

الكاتب مؤمن برسالته واثق من دور وأهمية الحريات في التقدم والحفاظ على المكتسبات صلب في موقفه لا يفتأ يقدم الحجج والبراهين على مصداق آرائه، فالحريات قيمة أساسية تدخل في جزئيات ومفاصل الأعمال اليومية وبيئات الأسواق ونشاط القطاعات الاقتصادية، (إن الأسواق الناجحة لا تعمل فقط على أساس التبادلات «المسموح» بها، بل وأيضا على الأساس الصلب للمؤسسات (مثل الهياكل القانونية الفعالة التي تدعم الحقوق الواردة في العقود والأخلاق السلوكية (التي تهيئ للعقود المتفق عليها فرصا للبقاء والحياة من دون حاجة إلى التقاضي بشكل دائم لضمان الإذعان). وهذه المعايير والالتزامات الأخلاقية تحتاج لتطبيقها الى أجواء مشبعة من الحريات.