سعود الحارثي

عدد المقالات : 163
عدد المشاهدات : 199887

انهيار الرأسمالية أسباب إخفاق اقتصاد السوق الحرة


الرأسمالية (نظام اقتصادي ونمط إنتاج يقوم على مبادئ الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج والمبادرة الفردية والمنافسة الحرة وتقسيم العمل وتخصيص الموارد عبر آلية السوق دون الحاجة إلى تدخل مركزي من الدولة). ويؤمن النظام الاقتصادي الرأسمالي بـ (الربح المادي محفزا للأفراد على المبادرة والمخاطرة واستثمار رؤوس الأموال لكسب المزيد من الأرباح ومضاعفة الثروات). ويقصد برأس المال (كل الأموال التي يمكن استثمارها بقصد جني الأرباح)، بما في ذلك (الأصول التي يمكن توظيفها في عملية الإنتاج، من عقارات ومنقولات ومعدات وسلع ومواد أولية وأوراق مالية وحقوق ملكية فكرية، فضلا عن الأصول السائلة).

وتعمل معظم اقتصاديات الدول الكبرى والناشئة اليوم بمبادئ النظام الاقتصادي الرأسمالي، الذي تبلورت آلياته وسماته وتطورت أسسه وأنظمته وممارساته عبر مراحل تاريخية ثلاث، هي: (الرأسمالية التجارية والرأسمالية الصناعية والرأسمالية المالية). أما اقتصاد السوق أو الاقتصاد الحر، فيعبر عنه بـ (النظام الاقتصادي لليبرالية الكلاسيكية)، وتعد الليبرالية الاقتصادية مكوّنا أساسيا من مكوناتها، وتقوم على (عدم تدخل الدولة في الأنشطة الاقتصادية وترك السوق يضبط نفسه بنفسه). بمعنى أنه (على الدولة ألا تقوم بأي نشاط اقتصادي يستطيع فرد أو مجموعة أفراد القيام به).

وقد تعرضت الرأسمالية لاختبارات وأزمات وشهدت نقاشات وجلسات عصف فكري بين خبراء وأساتذة الاقتصاد، وطرحت تساؤلات عميقة حول علاقة الدولة بالاقتصاد أو دورها في (الحياة الاقتصادية) وظل الخلاف محتدما بين من يطالب بتولي الدولة توجيه الاقتصاد والتدخل للحد من تأثيرات الكساد ورقابة الأسواق وتحفيزها وتنظيمها والإشراف عليها، ومن يرى ضرورة إطلاق الحرية لها لتنظيم وإصلاح نفسها وقيادة وتطوير نظمها بعيدا عن رقابة الدولة، وهو الفكر الذي تبنته معظم الاقتصاديات الغربية أخيرا، والكثير من المحللين والخبراء في الغرب يلقون عليه تبعات الأزمات المالية والاقتصادية التي ضربت العالم، منطلقين من حقيقة أنها سوق منفلتة من قبضة الدولة، بل إن السوق هو الذي يهيمن على الدولة. ففي أزمة 2007 رفضت الخزانة الأمريكية في المرحلة الأولى التدخل لإنقاذ المصارف والشركات الكبرى على ضوء مبادئ حرية السوق، لكن الانعكاسات الخطيرة وتوالي الهزات والانهيارات فرضت حتمية تدخل الحكومة لإنقاذ الموقف، وعلى الرغم من انقضاء سنوات على تعافي الاقتصاد العالمي، إلا أن الفكر الرأسمالي لم يقم بتصحيح أوضاعه وتحديث أنظمته وتعزيز الضوابط وآليات المراقبة والإشراف، وهو ما سوف ينعكس على المستقبل في أزمات مالية أخرى قادمة ستكون أشد وأسوأ من السابقة، وفقا لتصورات العديد من الخبراء.

الكتاب الذي صدر عن عالم المعرفة في 2010 تحت عنوان (انهيار الرأسمالية أسباب إخفاق اقتصاد السوق المحررة من القيود) للكاتب أولريش شيفر وترجمة الدكتور عدنان عباس علي، من أهم الدراسات التي ناقشت ملف الرأسمالية وألقت الضوء باستفاضة على الصراع بين قوة الدولة والسوق وسيطرة الاقتصاد المحرر من القيود على العالم. ويحملها الكاتب مسؤولية التفاوت في توزيع الدخول والثروات والتعليم ومخاطر الأخطاء التي يرتكبها قادة الشركات فيما يتحملها العمال البسطاء، والتهرب الضريبي، والاستسلام للجشع في نظام منفلت لم يعد يخضع للضوابط والقوانين وأخلاقيات السوق، ومن أجل جني ثروات طائلة من المال فإن المستثمرين (تجاهلوا كل المقاييس والمعايير فهم اشتروا شركات ما كان لها مستقبل قط. واحتفوا بأبطال، ما كانوا أبطالا قط. ووثقوا بإرشادات خبراء في شؤون الأسهم، تبين أنهم ما كانوا خبراء، بل نصابين لا ضمير لهم..).