سعود الحارثي

عدد المقالات : 185
عدد المشاهدات : 219374

اليورو، كيف تهدد العملة الموحدة مستقبل أوروبا؟


هل فعلا تهدد (العملة الموحدة)، الكيان الاقتصادي الذي تنضوي في مظلته عدد من الدول ارتضت هذا التكتل الاقتصادي؟ هل يعني ذلك بأن (اليورو) يهدد مستقبل أوروبا ويقودها إلى المزيد من الأزمات المالية والمشكلات الاقتصادية؟ ألا يعد التسليم بذلك مغايرا للفكر السائد بأن التكتلات الاقتصادية التي تقوم على جملة من المشتركات تحفزها على تعزيز علاقاتها وتعميق روابطها بمشاريع وحدوية ومنها (العملة الموحدة) تشكل قوة اقتصادية تضمن لها تحقيق نمو اقتصادي والإسهام في درء ومعالجة الأزمات المالية وتنشيط الأسواق وتعزيز الموارد وانجاح سياسات التنويع؟ ألا يؤمن الكثيرون من الخبراء والمختصين والكتاب والباحثين بأن (اليورو) يشكل عامل وحدة ونمو وتقدم ونهضة اقتصادية ونجاح أوروبا في تجاوز أزماتها السياسية واشكالاتها التاريخية ومعيقاتها الاقتصادية، بل وقادها إلى المزيد من الاندماج والتكامل والتعاون؟. لمؤلف كتاب (اليورو، كيف تهدد العملة الموحدة مستقبل أوروبا؟)، (جوزيف إي ستيغلتز)، وجهة نظر مغايرة، إذ يرى بأن (العملة الموحدة)، أدت إلى (زيادة عدم المساواة. فقد عمق الانقسام، حيث أضحت البلدان الضعيفة أكثر ضعفا، والقوية أكثر قوة. فهناك بلدان مرت بكساد اقتصادي عميق، مثل اليونان، وأضحى نصف شبابها عاطلين عن العمل. ومرت أوروبا كاملة بعقد ضائع من الزمن، حيث أصبح نصيب الفرد من الناتج أقل مما كان عليه قبل تفجر الأزمة العالمية). بنيت دوافع وقناعات وخلاصات هذا الكتاب على ضوء النتائج والآثار التي خلفتها الأزمة المالية العالمية على بلدان أوروبا فكشفت المراقبة المتواصلة والدراسات المعمقة للكاتب بأن (اليورو) كان عائقا أمام تعافي عدد من هذه البلدان، بل إنه ساهم بشدة في مضاعفة وتعميق الأزمة المالية، ففي الوقت الذي تعافت فيه الولايات المتحدة سريعا - رغم أن الأزمة انفجرت من الأساس في اقتصادها وكانت الأكثر تأثيرا في البدايات - فإن عددا من الدول الأوروبية ما تزال تعاني حتى اليوم، بسبب الاشكالات التي خلقها (اليورو)، الذي تم اقراره والعمل به دون الأخذ في الاعتبار الفوارق الاقتصادية وأحجام اقتصادات دوله الـ (19)، واختلاف النظم القانونية بين بلد وآخر، وتباينات الدخول وسياسات الأجور ومعدلات التضخم والبطالة والسياسات النقدية... ومعالجة التحديات التي تواجه كل دولة، وتحقيق المساواة وإصلاح أشكال الخلل وتقليص الفوارق الشاسعة قبل تطبيق (العملة الموحدة). يستند الكاتب في تبريراته وتنظيراته الاقتصادية وقراءاته للأرقام والمؤشرات وآثار الأزمة العالمية في عام 2008م، على منطقة (اليورو)، والتي عمقتها (العملة الموحدة)، وإجاباته على التساؤلات المطروحة بسبب تأخر تعافي عدد من البلدان الأوروبية... على ثلاثة مرتكزات هي: 

المرتكز الأول: تباين اقتصادات بلدان منطقة (اليورو)، وهيمنة الاقتصادات القوية - ألمانيا - مثالا، على الضعيفة منها. تستند قراءات الكاتب وتحليلاته على أساس أن (البرامج التي وضعت عن طريق ألمانيا القوة المهيمنة في منطقة اليورو، نظر إليها باعتبارها برامج مفروضة على هؤلاء الذين قبلوها. وبالطبع يقبل البلد المأزوم الشروط «طواعية» ليس بسبب إيمانه بأن «البرنامج» سوف يحل مشاكله، ولكن بسبب أن عدم قبوله الشروط سوف يؤدي إلى عواقب لا تحتمل). وبدلا من التوجه إلى إصلاح الخلل وتأسيس مناخ يقوم على القيم الديمقراطية في تحقيق المساواة والتكافؤ وتبادل الحوارات والتعاون بين بلدان (اليورو)، في معالجة آثار الأزمات المالية ووضع برامج تراعي ظروف اقتصاد كل دولة وخصائصها الاجتماعية، إلا أن ألمانيا وبلدان أخرى عملت على (لوم الضحايا، أي تلك البلدان التي عانت من نتائج السياسات الخاطئة والهيكل المعيب لمنطقة اليورو). (يتبع).