د. لويس حبيقة

عدد المقالات : 165
عدد المشاهدات : 187102

بريطانيا: هل ينتصر الاقتصاد؟1-2


هنالك قلق دولي واضح من التقلبات الكبيرة في الأسواق كما من المؤشرات الاقتصادية والمالية. هنالك خوف كبير من العولمة بالرغم من النتائج الإيجابية المحققة على صعيدي النمو والتنمية. توسعت فجوات الدخل والثروة بين الطبقات الشعبية نتيجة عدم تطور السياسات الاقتصادية بل ربما أحيانا نتيجة تطبيق السياسات الخاطئة. توسع الفجوات يحدث قلقا ضمن الشعوب الفقيرة في كل الدول ويدفع إلى السلطة متطرفين يستغلون الأوضاع المعيشية الدقيقة للفقراء أينما كانوا. الأمل الكبير يكمن في وعي المجتمع العالمي لهذه المشاكل وبالتالي في معالجتها بأسرع وقت.
تضاعف حجم الاقتصاد الدولي 6 مرات منذ نصف قرن لكن الأزمات المالية والنقدية ما زالت تتكرر كل 10 سنوات تقريبا. في الستينات، كان حجم الاقتصاد الأمريكي 33% من الاقتصاد العالمي، أما في سنة 2014، فبلغ 22%. توسع حجم الدول النامية والناشئة من 16% من الناتج العالمي في سنة 2000 إلى 32% في سنة 2014، وهو تقدم كبير يشير إلى الدور الذي تلعبه المجموعة اليوم في الاقتصاد الدولي. توسع حجم الدول النامية والناشئة وانخفاض الحجم النسبي للدول الصناعية هما جيدان للعالم. ما هي الخصائص الأساسية لهذا التحول الكبير؟
أولا: التقدم الهائل في العلوم والتكنولوجيا والذي انتشر عالميا أيا كان مصدره. نخص تحديدا تطور قطاعي الاتصالات والنقل من ناحيتي الفعالية والسرعة والسعر.
ثانيا: زيادة العلاقات التجارية والمالية بين الدول والقارات مما ساهم في نشر النمو ونقل السلع والخدمات والأموال بسرعة وبالتالي الاستثمارات.
ثالثا: التطور السكاني الكبير حيث خف النمو لكن العمر المرتقب ارتفع. بلغ النمو السكاني السنوي معدل 2,1% في فترة 1965 / 1994 لينخفض إلى 1,2% في السنوات العشرة الأخيرة. ارتفع العمر المرتقب بين الفترتين المذكورتين من 59 سنة إلى 70 سنة بفضل تطور الغذاء والصحة والوعي الاجتماعي والعائلي. انخفضت نسبة الإنجاب من 32 من الألف في فترة 1965 / 1974 إلى 20 من الألف اليوم. انخفضت أيضا نسبة الوفيات من 12 من الألف إلى 8 من الألف. تغيرت الهيكلية السكانية مما انعكس إيجابا على الإنتاج، أي تحقق نمو قوي سنوي في نصف القرن الماضي.
رابعا: رافق هذا التطور الاقتصادي مشكلة في المناخ مما فرض على العالم توقيع اتفاقيات لوقف أو أقله تخفيف تسميم الهواء والماء والطبيعة. الاتفاق الأهم حصل في باريس في آخر السنة الماضية والتحدي الأكبر يكمن في حسن التنفيذ.
خامسا: لا ننسى دور الثقافة في الاقتصاد. فالتطور الاجتماعي لا يحصل فقط من مصادر مادية، بل له جذور إنسانية وسياسية منها السلم والديموقراطية والشعور بالسعادة التي تنعكس إيجابا على أسواق العمل والإنتاجية.
بني الاقتصاد الحديث على 4 ركائز ميزت الاقتصاد الغربي عن كل ما سبق. احترام الملكية الفردية، احترام العقود وفرض تنفيذها من قبل السلطات الرسمية العامة، تأمين فعالية وشفافية الأسواق كي تعكس الأسعار جودة ونوعية وكمية السلع والخدمات، ورابعا وجود حكومات تسعى لتأمين مصلحة وحقوق المواطن وخاصة الطبقات الشعبية والشركات الصغيرة. هنالك ضرورة لوجود مؤسسات عامة فاعلة، إذ من دونها تصادر حقوق المواطن فيصبح لا صوت له ولا قدرة له على التعبير والاعتراض.