د. عبد الرحيم الهور

عدد المقالات : 146
عدد المشاهدات : 185721

متى ينطفئ الضوء


الفشل المطلق هو الإيمان بأن النجاح لم يعد ممكنا، والظلام الأبدي هو ليس غياب الضوء، ولكنه القناعة الثابتة بأن الشمس قد ماتت إلى الأبد، إنني لن أكرر كلمات التحفيز عند الفشل، فلقد أصبحت مستهلكة ولم تعد تفي بالغرض، ولكني أنظر بتمعن إلى عقارب الساعة وأدرك الخيارات التي يجود بها الزمان ليتضح أن الاستسلام ليس أحد تلك الخيارات، والانسحاب من معركة الحياة يعتبر رفاهية لا يستطيع أن يحصل عليها جل سكان الكوكب، وأن الرويبضة بدأوا بتصديق خيالاتهم بأنهم أسياد وبدأوا يتعاملون مع الحياة على هذا الأساس، وأن معارك هذا الزمان خلت من قيم الرجولة ومبادئ الفرسان.

فالقيم والمبادئ النبيلة هي مرايا لا يريد سفهة القوم النظر فيها، فهي تكشف عوراتهم، فيكتفون بأن يعزي بعضهم الآخر بأنه لا بأس في ذلك فهم لم يخلقوا ليكونوا نبلاء ولا حتى شرفاء وأن هذا قدرهم.

ومن الطرف الآخر فأنا ما زلت أرى بوضوح، فضجيج الخراف وغبار النفاق وضيق المكان وقباحة المنطق لم تفقدني حدة البصيرة وسعة الأفق وطريق الصواب، بل باتت الصورة أكثر وضوحاً، فهذه هي سنة الله ليكون فينا الشريف وفينا السفيه، وغثاء البحر قد يخفي الماء تحته فيعتقد أنه تسيد الموقف، ولكن يبقى الغثاء غثاءً ويبقى السفيه سفيهاً.

وشاهد القول أن لكل ميدان معاركه ولكل معركة أسلحتها والأهم من ذلك أنه ليس من الضروري أن نكسب كل المعارك، فبعض الساحات لا منتصر فيها لأن لا نزاهة ولا شرف فيها. والزمن لا يعطي فرصة ثانية ولكن الذكاء أن نتعلم من زمننا الماضي، فمنذ متى وعداد السنين يسجل في خانة الأربعين حتى كاد أن ينهيها، منذ متى صرت أبحث بين البياض عن شعرة سوداء لأعزي فيها طي السنين.. مؤخراً لم أعد أرغب في ساحات القتال، لم أعد أهتم بمعارك الأصدقاء، فإن أكثر ما يسعد أوقاتي معركة مع أصغر أبنائي، فهو دائما ما ينتصر عليَّ فيشعرني بمتعة الخسارة،

حيث أصبح العالم أبطأ وأوسع وأكثر وضوحا حتى كدت أرى ضربات جناحي النحلة وأميز أنفاس المنافقين، فلم أعد أهتم كثيرا بمجاملة الآخرين، بل اكتشفت أن الناس يقبلون الحقيقة أكثر من ذي قبل. والكثير الكثير من الجديد القديم الذي كان أمامي ولكنه مختلف الطعم، وأخيراً فإن النور لا ينطفئ إلا إذا قررنا نحن ذلك، والمعركة لا تنتهي إلا إذا تركنا نحن أسلحتنا.