د. لويس حبيقة

عدد المقالات : 172
عدد المشاهدات : 193072

«أبولو 11» بين الشعر والعلم

من يملك الفضاء ومن له الحق في الاستثمار والاكتشاف؟ من يعطي الأذونات للذهاب إلى الفضاء وأخذ العينات وتحليلها؟ هل الفضاء ملك الكرة الأرضية ومن عليها أم هنالك ضرورة لتنظيم هذه المغامرات الخطيرة؟ ما هي جدوى هذا الإنفاق؟ وهل كان ممكنا استثماره في التنمية ومحاربة الفقر حتى في الدول المتقدمة وعلى رأسها الولايات المتحدة؟ هنالك وجهات نظر متعددة ويمكن الدفاع عنها جميعها في ظل الموجة العالمية المطالبة بترشيد الإنفاق العام ومكافحة البطالة ومواجهة الأزمات المالية وتوسيع منافع التنمية.

تنفق العديد من الدول مليارات الدولارات على اكتشاف الفضاء في وقت يعم خلاله الفقر كل أنحاء الأرض. المشكلة أن وقف الإنفاق على الفضاء لا يعني بالضرورة الإنفاق أكثر على التنمية. في الولايات المتحدة مثلا وخلال حرب فيتنام (1955 – 1975) خفضت موازنة «النازا» الفضائية 50%. أيهما أفضل الفضاء أم الحرب والقتل؟ الجواب بديهي مما يعني أن معالجة حجم الإنفاق على الفضاء معقد وله أبعاد متناقضة ومتضاربة، قرار الإنفاق سياسي شعبي واقتصادي يغطي قطاعات عدة وأهدافا مختلفة.

يظهر هذا النقاش اليوم علنا في العيد الخمسين للنزول على القمر من قبل أبطال أمريكيين «نيل أرمسترونغ» و«باز ألدرين» بالتعاون مع «مايكل كولينز» الذي بقي في المركبة الفضائية علما بأن دوره لم يكن أقل أهمية. تحققت مغامرة «أبولو 11» من 16 إلى 24 يوليو 1969 بتكلفة توازي اليوم 180 مليار دولار. اختير «أرمسترونغ» بسبب شخصيته المتواضعة المنكفئة علما بأن تقنيات الرواد الثلاثة متكافئة. لماذا القمر وماذا يعني للعالم وللأمريكي خاصة الذي مول المشروع عبر الضرائب؟ هنالك الحلم الدائم المتوارث الذي ينظر إلى القمر كرمز للحب والإعجاب في كل الأقطار واللغات. هذا الرمز لابد من اكتشافه عن قرب حتى لو أزيلت عنه هالة الولع المغنطيسي أو السحر عن بعد. هل النزول إلى القمر قتل السحر وأضر بالشعر والشعراء؟ كان من الأفضل ربما إرسال شاعر أو أديب إلى القمر وليس مهندسا تقنيا بارعا كأرمسترونغ. منظار الشاعر والأديب يختلف حتما عن منظار المهندس والتقني.

يقدر قُطر القمر بربع قُطر الأرض وحجم القمر بـ 150 من حجم الأرض، أما مساحة القمر فهي 113,46 من مساحة الأرض، نعلم أن المسافة بيننا وبين القمر هي 384 ألف كلم، علما بأن الجاذبية هي 16 مقارنة بالأرض. لم يقم مهندسا «أبولو 11» إلا بخطوات قليلة على القمر كلفت مليارات الدولارات حملوا معهم إلى «النازا» 20 كيلو فقط من التراب القمري. في سنة 1966 كان هنالك 400 ألف شخص يعملون بدوام كامل تحضيرا لمهمة «أبولو 11»، بالإضافة إلى 10 ملايين شخص يعملون بشكل مباشر أو غير مباشر للهدف نفسه. هل كان ممكنا نقل تربة أكثر وفي جهات مختلفة من الكوكب؟ ربما، لكن هدف الاستثمار لم يكن علميا فقط، بل كان خاصة سياسيا وقد أدت أبولو المهمة.