د. لويس حبيقة

عدد المقالات : 152
عدد المشاهدات : 175966

بريطانيا: هل ينتصر الاقتصاد؟2-2


بني الاقتصاد الحديث على 4 ركائز ميزت الاقتصاد الغربي عن كل ما سبق. احترام الملكية الفردية، احترام العقود وفرض تنفيذها من قبل السلطات الرسمية العامة، تأمين فعالية وشفافية الأسواق كي تعكس الأسعار جودة ونوعية وكمية السلع والخدمات، ورابعا وجود حكومات تسعى لتأمين مصلحة وحقوق المواطن وخاصة الطبقات الشعبية والشركات الصغيرة. هنالك ضرورة لوجود مؤسسات عامة فاعلة، إذ من دونها تصادر حقوق المواطن فيصبح لا صوت له ولا قدرة له على التعبير والاعتراض. هنالك خصائص جديدة مهمة تحصل اليوم في الاقتصاد العالمي وستفرض تغييرات كبيرة في العلاقات الدولية وهي:
أولا: تعقد مشكلة اللاجئين الأوضاع العالمية وهنالك دهشة من سوء التحضير للمواجهة أو للمعالجة. أوروبا التي تبنى بدقة وعناية وذكاء منذ سنة 1957 تواجه أكبر تحد لها اليوم. هنالك رجوع موجع ومضر إلى الوراء. مهما بلغ عدد النازحين، فهم لا يشكلون نسبا مهمة من عدد سكان أوروبا. لماذا على أوروبا أن تتحمل وحدها هذه الأعداد؟ ماذا ينقص آسيا وأستراليا وغيرهما وهي جميعها بحاجة إلى يد عاملة شابة ونشطة، وهذا هو حال أكثرية النازحين. أسقطت أوروبا في الواقع اتفاقية "شنغين" وهي تعود إلى الحدود الأصلية مدعومة بالإقفال الحديدي منعا لوصول النازحين. تحصل الدهشة بسبب عدم قدرة أوروبا على مواجهة ومعالجة أول أزمة نزوح تحصل على أراضيها. ألم يكن ممكنا معالجة الأوضاع في دول المنشأ بدءا من سوريا إلى غيرها.
ثانيا: تشكل قروض صندوق النقد الدولي مؤشرا كبيرا وواضحا على تعثر الاقتصادات المقترضة. في الخمسينات، كانت أكثرية الدول المقترضة صناعية، ثم أصبحت جميعها نامية وناشئة بدأ من الثمانينات وحتى سنة 2007. مع أزمة "الركود الكبير"، عادت الدول الصناعية إلى الاقتراض وهي تأخذ اليوم حوالي 66% من المجموع أي عودة إلى الخمسينات.
هنالك دهشة كبيرة تجاه التصرف البريطاني المقلق من ناحية الرغبة في ترك الوحدة الأوروبية بعد عقود من الازدهار المشترك. لماذا تخاف الأسواق من إمكانية خروج بريطانيا من الوحدة الأوروبية؟
أولا: يخشى المستثمرون العالميون من المخاطر الموجودة حاليا في الأسواق. انخفاض كبير في سعر النفط منذ منتصف سنة 2014، تقلب متواصل في البورصات غير مرتكز على المؤشرات الاقتصادية العامة، تقلب كبير في السياسات المالية كما في سياسات المصارف المركزية. القلق يعثر الاستثمارات ويفرض التروي والانتظار. الخروج البريطاني يرفع القلق.
ثانيا: تشير المعلومات إلى أن الشركات العالمية الكبيرة ستخفف استثماراتها في بريطانيا إذا ما اختارت الانفصال عن القارة وهذا سيضعف النمو الاقتصادي البريطاني حوالي 4% في السنوات الثلاث المقبلة أي تكلفة كبيرة وسريعة ومقلقة. لن يكون هنالك إقفال للفروع، بل ستتأثر حكما الاستثمارات الجديدة التي ستختار القارة بدلا من الجزيرة. لن تتمكن بريطانيا من الاستمرار من الاستفادة من السوق الأوروبية الكبيرة كما يحصل اليوم، وسيحدث نوع من العزلة الواقعية الطبيعية التي تتحقق بعد أي عملية طلاق أو انفصال.
ثالثا: اعتمدت أوروبا على السوق المالية البريطانية لتأمين التبادل المالي في الأدوات والأسهم والسندات. تخصصت لندن بهذا الأمر ولم تتطور البورصات الأوروبية كما كان يمكن لها، اعتبارا واحتراما للسوق اللندنية. إذا خرجت بريطانيا، لا بد من تحقيق بديل في القارة والأرجحية تتوجه نحو أيرلندا بفضل اللغة والضرائب المنخفضة. ستخسر لندن أهم ما يميزها.
رابعا: إذا اختارت بريطانيا الانفصال ستقسم هي بدورها، إذ ستعود أسكتلندا لتطالب بالخروج من بريطانيا وسينتصر هذا الخيار وبالتالي ننتقل من بريطانيا العظمى إلى إنجلترا العادية والفارق كبير وواضح. قوة الليرة الاسترلينية ستتأثر حكما سلبا، وربما تخرج من نادي النقد الصعب الدولي بعد عقود من التميز والتمايز.
قادت بريطانيا العالم في توجهه نحو الحريات والمؤسسات والاتفاقيات الدولية الجيدة. حصلت جميعها بتوقيع بريطاني أو أقله بمشاركة بريطانية فاعلة ونشطة. نحزن كثيرا عندما نرى بريطانيا راغبة أو تفكر في إمكانية ترك أوروبا. ما هي الدروس التي تعطيها للمجتمع الاقتصادي الدولي؟ دروس الانعزال والانفصال والمقاطعة.