د. لويس حبيقة

عدد المقالات : 157
عدد المشاهدات : 179983

مستقبل الاستهلاك الأسيوي

يمكن وصف طريقة عيشنا بالمعتمدة على الاستهلاك المتزايد لكافة السلع والخدمات. ما زال النشاط الفردي عالميا يسيطر على نشاط المجموعات بسبب الرغبة في الربح والنجاح والعيش الأفضل. هذا جيد اذا تمكنت المجتمعات من تسديد التكلفة دون عناء، أي اذا كان انتاج المجتمع كافيا لشراء السلة الاستهلاكية. هنالك مشكلة أخرى يمكن وصفها بصعوبة توافر كل ما يحتاج اليه الانسان. فالكميات تبقى دائما محدودة وبالتالي تنظيم الاستهلاك يعتمد على وجود شبكة أسعار تحدد الكميات المستهلكة.

من أهم مشاكل الاستهلاك هي الأضرار البيئية التي تعي أهميتها كل الدول دون أن تتمكن دائما من حسن المعالجة بالتوقيت المناسب. مثلا معدن الألمنيوم المستهلك بكثرة يتطلب انتاجه استعمال الكهرباء بكثرة مع ما يترافق من تأثير سلبي على البيئة. منذ الستينات، زاد انتاج الألمنيوم 8 مرات لتلبية الطلب.

هنالك خصائص مهمة مشتركة للاستهلاك الحديث قرب المسافات بين الدول والشعوب وأعطى المستهلك قوة كبيرة من الصعب التغلب عليها. تغيرت أولويات الاستهلاك من الطلب الكبير على الغذاء الى الطلب الأساسي على وسائل الاتصال والتواصل. تغيرت بسبب تطور المجتمعات وتغير العقلية وانفتاح الانسان واطلاعه على كل ما يجري داخل دولته وخارجها. أصبح الاطلاع أسهل بفضل تطور الاتصالات والاعلام وتوافرهما بتكلفة ضئيلة.

قلص التطور التكنولوجي الفروقات بين المواطنين من ناحية توافر وسائل الترفيه بدءا من الراديو الى التلفاز وآليات التسجيل والتصوير والهواتف الخليوية وغيرها كما وحد الأحلام. تدنت أسعار السفر لتصبح بمتناول ذوي الدخل المتوسط وما دون. تقدم وكالات السفر عروض سفر واقامة بأسعار منخفضة ومدهشة. أما السيارات السياحية فأصبحت متوافرة بأشكال وأسعار لم تكن ممكنة سابقا. دخول الصين الى العالم الاستهلاكي الانتاجي غير الخريطة ووسعها. لا ننكر استمرار وجود فوارق كبرى في الدخل والثروة كما لا ننكر وجود الفقر في كل المجتمعات.

هنالك عامل مشترك للتطور الاستهلاكي هو التأثير الأميركي على كل شيء من العلوم الى الآداب والترفيه والثقافة وغيرها. للتأثير الأميركي الكبير والواسع سيئات منها السيطرة على الثقافات الأخرى والقضاء على بعضها كما من الحسنات انه قرب الثقافات والمفاهيم الثقافية أي كان توحيديا. لم تظهر هذه الخصائص بل قوتها أكثر من آسيا أي تحديدا في الصين والهند واليابان كما في كوريا الجنوبية. أصبحت جميعها مجتمعات استهلاكية بدرجات مختلفة بعد ان كانت لعقود مجتمعات ادخارية بامتياز. المعلوم عبر التاريخ أن محرك النمو في آسيا كانت الدولة وسياساتها، ولم تكن مشاركة القطاع الخاص الا خجولة. دور وزارات الصناعة والتطور التكنولوجي في اليابان والصين وكوريا مثلا كان كبيرا وفعالا وناجحا. هذا ما يعرف بالسياسات الصناعية التي دعمت ووجهت وكان لها دور رائد في تحقيق النجاح الصناعي الأسيوي. لم يعد ممكنا تطبيق هذه السياسات اليوم في ظل الاتفاقيات التجارية الاقليمية والدولية، لكن ترامب عبر سياساته التجارية يحاول اعادة بعضها الى الوجود كي «تعود أمريكا عظمى مجددا».