د. لويس حبيقة

عدد المقالات : 178
عدد المشاهدات : 199268

من غاندي إلى مودي

بنيت الهند الحديثة على أفكار وتصرفات عملاقين هما غاندي ونهرو. عاش «مهاتما غاندي» بتقشف وبأقل مستوى من المادة، وكان متدينا ومؤمنا بالاشتراكية. نظرة غاندي ارتكزت على الديموقراطية الممزوجة بالتواضع والتقشف. يمكن وصف غاندي بوالد الهند الجديدة. كان نهرو اشتراكيا لكنه لم يكن متدينا وبالتالي حاول تطبيق نوع من الاشتراكية السوفياتية. أخذ نهرو من غاندي أفكارا منها حماية الشركات الصغيرة والمتوسطة كما سياسة التوزيع الاجتماعي. زادت البيروقراطية مما سبب ارتفاعا في مؤشرات الفساد.

للهند مزايا كبرى تجعلها تصبح قوة سياسية واقتصادية أساسية قريبا. أحسنت حكومة الرئيس مودي ادارة البلاد مما أمن اعادة انتخابه رئيسا للوزراء في أيار الماضي. النمو القوي ضروري لتأمين الاستقرار لدولة فيها مليار و 369 مليون مواطن أي الثانية عالميا بعد الصين (مليار و 420 مليون). ستسبق الهند الصين في عدد السكان قريبا. للديموغرافيا الكبيرة حسنات وسيئات أي تؤمن اليد العاملة للانتاج والازدهار كما تشكل ثقلا كبيرا على الاقتصاد والموازنات. هنالك 7 دول تحتوي على أكثر من 50% من سكان العالم وهي الصين، الهند، الولايات المتحدة، أندونيسيا، البرازيل، باكستان ونيجيريا.

هنالك مؤشرات مقلقة للهند أي أن نمو الفصل الأول من 2019 لم يتعد 5,8% مقارنة بـ 6,6% في الفصل الرابع من 2018. نسبة 2019 هي الأدنى منذ 5 سنوات مما يشير الى تغيير سلبي في النمو والتطور. هدف حكومة مودي الجديدة تحقيق نمو سنوي قدره 8% أي الوصول الى ناتج محلي اجمالي 5 ألاف مليار دولار قبل 2025 أو ضعف الناتج الحالي. تحد كبير لحكومة طموحة برئيسها ووزيرة ماليتها الجديدة التي هي المرأة الأولى التي تتولى هذه الوزارة منذ ان شغلتها أنديرا غاندي قبل 50 سنة. وقتها كانت غاندي رئيسة للوزراء ووزيرة للمالية. المعضلة الآنية هي كيفية التوفيق بين تحقيق النمو القوي وترشيد الانفاق وتخفيف الهدر. الهدف هو الوصول الى عجز مالي لا يتعدى 3,3% هذه السنة انخفاضا من 4% منذ سنتين. من أهداف الوزيرة الجديدة تنشيط الاقتصاد، تخفيف البطالة وتوسيع الضمانات الاجتماعية.

بفضل توجيه السياسات الهندية الاقتصادية منذ عقود نحو الاشتراكية تم الاستثمار العام الكبير في الصناعات الأساسية الثقيلة كما يقول «بازو» في كتابه. تحقق النمو المعتدل حتى التسعينات لكنه لم يعد كافيا لحماية الزيادات السكانية وتعزيز دور الهند في الاقتصاد الدولي المعولم. لم تدخل الهند كما الصين في تحديد النسل أو في فرض سياسات سكانية قاسية وصارمة، بل تركت القرار للمواطن.

هنالك صعوبة اليوم في تنفيذ القرارات الحكومية حيث تتشابك الأهداف السياسية مع الاقتصادية والاجتماعية. بالرغم من النمو القوي، لا يمكن تقييم الاقتصاد بناء على الناتج فقط بل هنالك عوامل أخرى منها توزع الثروة والدخل كما مؤشرات التعليم والصحة والغذاء. هنالك أكثر من 600 جامعة في الهند والمستويات مختلفة لكنها جيدة عموما. التحديات كبيرة والامكانات متواضعة.