د. لويس حبيقة

عدد المقالات : 165
عدد المشاهدات : 186566

العقيدة الترامبية في التطبيق


الخوف من التجارة نابع من القلق من العولمة ومن فتح الحدود دون رقابة. كانت النتائج سيئة على المجتمعات عبر اتساع فوارق الثروة والدخل. لم تفد العولمة الجميع، بل أفادت الأغنياء والشركات الكبرى. لم تتم معالجة النتائج الاجتماعية بالسرعة والفعالية. من يؤيد العولمة اليوم يرتكب انتحارا سياسيا ليس لأن الفكرة سيئة بل لأن تطبيقها لم يكن بالمستوى المطلوب ولم تتم معالجة النتائج.

الشعب غاضب ليس من الفوارق المالية والاجتماعية بل منترا حجمها وتوسعها مع الوقت. تكمن المشكلة أيضا في أن بعض الدول التي دخلت العولمة استطاعت أن تخالف القوانين كتطبيق الدعم ووضع التعريفات ونجحت كفيتنام والصين، وأخرى دخلت ولم تخالف القوانين فتضررت كالمكسيك. هذا لا يعني أن على الجميع أن يخالف، بل يعني أن قيود منظمة التجارة العالمية وربما بعض الاتفاقيات الاقليمية جائرة وبالتالي وجبت مراجعتها.

من مزايا الوحدة الأوروبية هي الغاء الحدود داخلها. لكن ليس الجميع سعيدا بما حصل على مدى عقود وأهمهم البريطانيون المختلفون اليوم حول الخروج من الوحدة. هذا يشير الى صعوبة تحقيق وحدات اقتصادية معمقة دون تنفيذ وحدات سياسية متطورة. فالشرخ حصل والمعالجات لم تكن بالمستوى المطلوب كما تشير اليه الحالة اليونانية. يعود عمق الشرخ الى الخلل الحاصل في العديد من الاقتصادات أي عجز مالي كبير وعجز تجاري كبير أيضا. ساهمت الحلول التقشفية التي طبقت بتخفيف ثقة الأوروبيين بمستقبل الوحدة والرغبة عند العديد من المواطنين في الخروج منها. ساهمت الحلول القاسية في اعطاء قوة انتخابية للأحزاب المتطرفة يمينا وشمالا مما يضر بمستقبل أوروبا والعالم.

ماذا كانت المعالجات للمشاكل التجارية الحقيقية وهل كانت صحيحة؟ أولا طبقت الحمايات أي رفعت التعريفات الجمركية التي تخفف الواردات. في الولايات المتحدة رفع الرئيس النسب الجمركية على العديد من السلع، فارتفع العجز التجاري وزاد التضخم. في الأشهر السبعة الأولى من هذه السنة ارتفع العجز التجاري الأميركي للسلع والخدمات 10% مقارنة بـ 2018. قرر ترامب رفع التعريفات على استيراد الفولاذ والألمنيوم. تأخر في التطبيق، فتم استيراد كميات كبيرة من المعدنين استباقا لتنفيذ التعريفات. لذا ارتفعت في المدة نفسها واردات الفولاذ 24% وواردات الألمنيوم 28%. مشكلة ترامب انه يؤمن بأن التجارة لا تفيد المتاجرين سوية أي يكون هنالك دائما رابح وخاسر.

هنالك مشكلتان أخريان تضران بالعقيدة الترامبية. تحتاج أميركا الى الكثير من الواردات كي تصدر. فالعديد من السلع الأميركية المهمة، كما تقول الاقتصادية أن كروغر، تحتوي ضمنها على مكونات مستوردة في قطاع السيارات والأجهزة الخلوية مثلا. لذلك وضع التعريفات يرفع أسعار السلع الأميركية المنتجة ويخفف من صادراتها. ان الحل للمشكلة التجارية يكمن، وكما يقول الاقتصادي بول كروغمان، في رفع مستوى الادخار الداخلي وهذا ما ضربه ترامب عندما خفض الضرائب على الأغنياء والشركات مما رفع العجز المالي. لذا ذهب الادخار الداخلي لتمويل العجز عوض الاستثمارات التي تنتج النمو.