سعود الحارثي

عدد المقالات : 179
عدد المشاهدات : 213419

تمويل الانتخابات


هل يمكن أن نطلق على أي نظام انتخابي ممول من رجال الأعمال والمال، ومدعوم من قبل الشركات والمؤسسات الكبرى التي تعمل في قطاعات التمويل والمصارف والتأمين والخدمات والصناعات وغيرها، بأنه ديمقراطي، قادر على التعامل مع مصالح وتطلعات جميع أفراد المجتمع بعدالة ونزاهة وشفافية؟ هل سيتمكن رئيس الدولة والعضو البرلماني المنتخب الذي اعتمدت حملته الانتخابية على عشرات أو مئات الملايين من الدولارات من ممولي الأحزاب والمستثمرين من التحرر من ضغوط مافيا الشركات ورجال الأعمال الذين حرروا الشيكات بطيب خاطر لضمان فوز مرشحيهم بالانتخابات؟ ألا تعتمد الانتخابات في الولايات المتحدة الأمريكية البلد الأهم والأبرز وراعية النظام الديمقراطي والمروجة له على أموال الممولين من رجال الأعمال والمال في سباق التنافس الشرس بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري؟ لماذا يدفع رجال الأعمال الملايين لمرشحيهم ؟. البرنامج الوثائقي (ميت ذا دونرز) طرح هذه الأسئلة والتقى بعشرات الممولين الذين ينتمون إلى خلفيات ومشارب متعددة، للتعرف على طبيعة وحجم وغايات هذا الاستثمار وما سوف يحققه من نتائج على أعمالهم واستثماراتهم. عدد من الممولين لم يوافقوا على مواجهة الكاميرا، ورفض آخرون التعليق على الأسئلة التي طرحها البرنامج، فيما عزا عدد ممن أجابوا على الأسئلة المطروحة غايات تمويلهم للانتخابات إلى تعزيز المسار الديمقراطي ودعم الديمقراطية والقيم الأمريكية أو أسباب مرتبطة بتوجهات وسياسات الحزبين الرئيسين التي تتلاقى أو تتباين مع مصالح ورغبات الممولين. الإطلالة التاريخية على علاقة المال بالانتخابات التي انطلق منها البرنامج، تبرز في تعليق رجل الأعمال (مارك هانا) صاحب مناجم الفحم وجامع تبرعات جمهوري في القرن التاسع عشر لأعضاء مجلس الشيوخ فقط، الذي أكد على أن (الأموال جزء من سياستنا لا يتجزأ)، وكان للآباء المؤسسين (صناديق لتمويل معاركهم السياسية)، فالرئيس الأمريكي (أندرو جاكسون) كان أول من استعان بحملة انتخابية لجمع (التبرعات وقد أعطى وظائف كثيرة جدا لمؤيديه لدرجة أنه عرف باستغلاله لنظام المحسوبية)، وفي عام 1896 أوصل أرباب الصناعة (ويليام ماكينلي) إلى البيت الأبيض باستثمارات بلغت ما يعادل 96 مليون ريال عماني، قدمها أثرى ثلاثة رجال في تلك المرحلة الذين جمعوا ثرواتهم من أعمالهم في الحديد والنفط والمصارف، وسجلت تلك الانتخابات في وقتها على أنها أكثر تكلفة في التاريخ، واستمرت بعدها عمليات التمويل في الارتفاع مما أشعل سباق التسلح بهدف جمع الأموال لتمويل الانتخابات. في 2010 أعلن حكم (اتحاد المواطنين) أن الشركات ونقابات العمال تمتلك نفس حرية التعبير كأفراد من الشعب، ويحق لها أن تقدم الأموال التي تريدها للجنة العمل السياسي الخاصة بأي مرشح، ويعتقد بأن انتخابات 2016م، قد تكون بلغت تكلفتها ما يناهز الـ 6 مليارات دولار، ويقر العديد من السياسيين ورجال الأعمال الأمريكيين بوجود (نظام حملات تمويل فاسد)، ويصاحبه الكثير من أوجه الخلل، واعترف الرئيس الأمريكي الحالي (ترامب)، وبصفته رجل أعمال قبل أن يصل إلى البيت الأبيض أنه قدم الكثير من الأموال لمن يطلبها من الساسة والمرشحين ومول حملاتهم الانتخابية، في استثمارات عادت عليه بالنفع في حملته الانتخابية في 2016، مضيفا بأنه ما دام الوضع على هذه الشاكلة فلا بد من أن (النظام الانتخابي مختل).