د. لويس حبيقة

عدد المقالات : 172
عدد المشاهدات : 193073

الأوضاع في الدول الغنية

هنالك مؤشرات تقول بأن الدول الغنية طبيعيا لا تنتج سلعا أو آليات جديدة، أي لا يعتمد اقتصادها على الإبداع. تنصب الجهود فيها على كيفية توزيع الثروة أو تقاسمها وليس على زيادة قيمتها أو تنويع ركائزها ومصادرها. هذا ربما يفيد على المدى القصير، إنما حكما مضر على المدى البعيد. كما أن هذه الدول تعاني من تقلبات الأسعار وبالتالي من عدم الاستقرار في الرؤية والتخطيط المستقبلي فيما يخص النمو والاستثمارات وحتى الاستهلاك.

دول كأنغولا ونيجيريا الغنيتين لا تحققان نموا كبيرا متواصلا، بينما دول شرق آسيا طورت اقتصاداتها كما لم يحصل سابقا. الثروة الطبيعية تضر عموما بسبب الاتكالية. في الناتج المحلي النيجيري، تدنى في سنة 2016 وارتفع 0,8% في 2017 وربما لم يتعد 2% في 2018. التضخم مرتفع في حدود 16% والادخار قليل أي 14% من الناتج، لكن ميزان الحساب الجاري فائض. أما الموازنة فهي عاجزة في حدود 5% من الناتج نتيجة الهدر والفساد. الأوضاع الاجتماعية لا تدعو للاطمئنان بسبب جود طبقة صغيرة غنية جدا وطبقة واسعة فقيرة.

الأوضاع الأنغولية أفضل قليلا، لأن النمو مستمر منذ سنة 2010 بمعدل 3% مع انحدار واحد في سنة 2016. نسب التضخم مرتفعة بمعدل 10% والموازنة تتأرجح بين العجز والفائض تبعا لتطور أسعار النفط. الفائض كبير 8,7% في سنة 2011 والعجز كبير في سنة 2014 مما يشير إلى عدم الاستقرار والتقلبات وارتفاع المخاطر. كذلك الأمر بالنسبة إلى ميزان الحساب الجاري المتأرجح، علما بأن أوضاع الفساد أفضل من نيجيريا. أما نسبة الدين العام من الناتج فهي في حدود 73% في 2018 وهي مرتفعة في دولة نفطية وغنية طبيعيا. الدول الأفريقية غير قادرة اليوم على إنتاج إدارات سياسية شفافة ونزيهة لأن المحاسبة غائبة والشعوب لا تطالب بالتغيير.

روسيا تعاني من نفس المشكلة وهي الغنية بالنفط وتعتبر دولة رائدة في ميادين عدة علمية وثقافية. تعرضها لعقوبات أمريكية قاسية نتيجة العلاقات مع أوكرانيا لم يضرها كثيرا لكنه يؤثر عليها حكما عبر نسب نمو سلبية في سنتي 2015 و2016 ونسب ضعيفة إيجابية فيما بعد. هنالك صادرات روسية كبيرة في المواد الغذائية والأسلحة تسبب فائضا في ميزان الحساب الجاري مما يجعل الدولة تتمتع باحتياطي نقدي كبير قارب 500 مليار دولار في سنة 2018 أو 17 شهرا من الواردات.

كيف يمكن إنقاذ الوضع في الدول الغنية طبيعيا والفقيرة معيشيا. هنالك من يقترح توزيع الإيرادات النفطية وغيرها مباشرة على الشعب أي تقسيمها على عدد المواطنين وإعطاءهم إياها. فكرة جيدة لكن من يقوم بذلك؟ الحكومة لا، إذ هي مصدر المشكلة والداعمة للفساد والمستفيدة منه. جهاز دولي؟ من هو ومن أين نأتي به؟ الفكرة نظريا جيدة ويجب درسها، إذ تبقى الثروات الطبيعية ملك الشعوب. الأضواء مسلطة اليوم على كل الدول في أدائها لكن المسؤولية الأولى تبقى على الشعوب.