سعود الحارثي

عدد المقالات : 176
عدد المشاهدات : 211394

التجارة الإلكترونية وتحديات الأسواق التقليدية


يمر عالمنا المعاصر بتحولات هائلة وغير مسبوقة في مختلف مجالات الحياة وشئون الإنسان، تقود إلى نتائج متسارعة ومتغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية وفكرية لها آثارها العميقة على معيشة وسياسات الأفراد والجماعات والدول، وتعزز من قيم الوعي والعلم والمعرفة عند البشر، هذه التحولات تعصف بنا وتبدل قناعاتنا وأفكارنا وثقافاتنا ومصائرنا كل يوم وساعة وليس كل عام وشهر، وتعمق في المقابل الهوة بين الأمم المتخلفة التي تتابع أخبار هذه التحولات وتستقبل مخرجاتها ومنتجاتها وتتعامل مع وسائلها وأساليبها وتستهلك ما تبيعه وتعرضه مصانعها وأسواقها ولكنها لا تسعى للحاق بها إلى مركز الحضارة لأسباب عددها المتخصصون من المفكرين والمؤرخين والأكاديميين والباحثين، وبين الأمم المتقدمة التي تصنع هذه التحولات. وتعد تقنيات الاتصال ووسائل النقل وتكنولوجيا المعلومات والمعرفة في مقدمة هذه التحولات التي تشهد تطورات يومية تعزز من أشكال التواصل بين البشر في أنحاء الأرض وتقود إلى المزيد من الرفاهية والرخاء والازدهار والتيسير على الناس وتحقق طموحاتهم وتطلعاتهم وتدفع بالخيال إلى أن يكون واقعا معاشا ونمطا ممارسا وثقافة مترسخة وأسلوبا متبعا في الحياة. فها نحن اليوم نستقبل في منازلنا أشكالا من الطرود التي تحمل ملابس وأحذية وأدوية ومستلزمات تجميل وسلع وعلامات تجارية لا حصر لها وبأسعار أرخص بكثير من مثيلاتها في الأسواق المحلية، يطلبها أبناؤنا مباشرة من الصين واليابان وأمريكا وتركيا والهند وأوروبا بما يسمى بـ (التجارة الإلكترونية)، وهو نموذج بسيط جدا لهذا التحول، فإلى أين نحن ماضون وهل من نهاية لهذه التحولات المتواصلة؟ وإلى أين ستبلغنا نتائجها وآثارها؟ وأين يقف عالمنا العربي منها؟ أو بالأحرى ما هي حظوظه فيها؟ وما هو مصير التجارة التقليدية ممثلة في الأسواق الحديثة والشعبية والمجمعات التجارية العصرية التي غزت بلداننا العربية عامة والخليجية خاصة؟ هل ستتمكن من مقاومة انتشار واتساع التجارة الإلكترونية، التي تمكن المستهلك من اختيار ما يريده ويستهوي ذوقه من أي مكان دون أن يحتاج لزيارة السوق التقليدي؟؟، هل نحن مستعدون للتعامل مع فقد عشرات الالاف لوظائفهم بسبب التجارة الالكترونية؟ خاصة وأن الاحصائيات تؤكد بأن (١١ الف محل تجاري ستغلق بنهاية هذا العام في أمريكا و٩ آلاف في بريطانيا بسبب التجارة الالكترونية)، وتقوم هذه التجارة على أساس عملية بيع وشراء وتبادل للسلع والمنتجات والمعلومات والخدمات في سوق تحتضنه شبكات الانترنت، وأحدثت (ثورة بالعالم)، ومن المتوقع أن (تصبح الأساس في الاقتصاد العالمي)، وشهدت تطورات واسعة على مدى العقدين الماضيين وحتى اليوم، حيث بلغ إجمالي حجم التجارة الإلكترونية 29 تريليون دولار في العام 2017م، مقارنة بـ 27,7 تريليون دولار في عام 2016م، وهي في نمو مستمر. وفي دولة قطر بلغ اجمالي حجم التجارة الالكترونية العالمية من الشركات إلى الأفراد 2.2 تريليون دولار في عام ٢٠١٧م. هذه التحولات في النمط الاستهلاكي وأشكال التسوق وآلياته والانتقال التدريجي من التجارة التقليدية الى التجارة الالكترونية وما تترتب عليه من تغيرات وتفاعلات تتطلب منا استعدادا يواكب هذا التقدم في منظومات وسياسات التعليم وتخصصاته والاقتصاد والأسواق ونوع الوظائف... وإلا سنجد أنفسنا أمام إشكالات وتحديات وتعقيدات كبيرة لن نستطيع التحكم فيها والإفلات من نتائجها وآثارها الخطيرة على مجتمعاتنا واقتصادنا.