د. لويس حبيقة

عدد المقالات : 165
عدد المشاهدات : 187104

معاني السياسات الاقتصادية الهندية


بدأت قوة «الأسد الهندي» تظهر دوليا، ليس في الاقتصاد فقط وإنما في السياسة أيضا. 
أصبح للهند صوت يتعدى آسيا ليصبح دوليا، لها صوت معنوي ينبع من فلاسفتها، وفي مقدمتهم «غاندي» الذي ولد في 1869 وعَلَّمَنَا الكثير في مواجهة العنصرية والعنف والاستعمار.
من أقواله: «ليس عندي أي جديد أنقله للعالم، فالحقيقة والسلم هما قديمان جدا».
في الواقع، تحقق الهند منذ سنة 2010 نموا سنويا يتراوح بين 6 و8% وهذا مدهش لدولة بهذا الحجم.
يبقى الناتج الفردي منخفضا في حدود 1600 دولار أمريكي، مما يشير إلى وجود عاملين، فقر عميق وسوء توزيع مقلق للدخل بين الطبقات الشعبية.
يحاول رئيس الوزراء «مودي» جذب الاستثمارات الخارجية إلى بلده بهدف النمو ومحاربة البطالة، لكن النجاح ما زال جزئيا.
سافر إلى أهم الدول الغربية وروسيا ووقَّعَ اتفاقيات دفاعية كبيرة مكلفة، ربما تجذب استثمارات اقتصادية فيما بعد.
اقتنعت الحكومات الهندية المتعاقبة بدور مهم للقطاع العام في الاقتصاد، إذ لا يمكن الاتكال على القطاع الخاص في كل شيء.
فكما يفشل القطاع العام في تأدية دور فاعل في الاقتصاد، كذلك يفشل القطاع الخاص أحيانا في إعطاء المستهلك حقوقه وفي إنتاج أفضل السلع والخدمات بأسعار لا تستغل المواطن.
تعاني الهند من عجز كبير في الموازنة يقدر بـ8% من الناتج ومن دين عام يقارب 70% من الناتج.
هنالك عجز في الميزان التجاري ينعكس عجزا في ميزان الحساب الجاري مع فائض في ميزان المدفوعات بسبب قدوم رؤوس الأموال، أهمها للاستثمارات وأيضا تحويلات ملايين الهنود العاملين في الخارج وخاصة في دول مجلس التعاون الخليجي.
يتحول هذا الفائض إلى احتياطي نقدي مهم وصل إلى 364 مليار دولار السنة الماضية، أي تغطية 8 أشهر من الواردات وهذا جيد.
طبعا يمكن للهند أن تحقق نتائج أفضل، ليس فقط تحسينا للمؤشرات المالية المذكورة، وإنما لمعالجة موضوع الفقر وتخفيف معاناة الأرياف من كل الخدمات الحياتية الأساسية.
المطلوب سياسات مرنة وذكية تساعد النمو، علما بأن الهند استفادت كثيرا من انخفاض سعر النفط فتدنت فاتورة الاستيراد بنسب سنوية مرتفعة قاربت 7% مؤخرا.
سمح هذا الهبوط أيضا للحكومة بتخفيف دعمها للطاقة وللمواد الضرورية للزراعة.
عموما، يتحقق النمو الاقتصادي الحديث عبر سلسلة من الإنجازات المتلاحقة تساهم في تشجيع الخلق والتجديد والابتكار وفي تطوير البنية التحتية المناسبة.
يتحقق أيضا عبر تنويع الاقتصاد كي لا يعتمد على قطاع واحد، بل تؤثر إيجابا القطاعات على بعضها البعض.
لا يمكن للأسواق وحدها أن تحقق هذه النقلة النوعية المطلوبة، فلابد للقطاع العام من أن يتدخل عبر القوانين والإجراءات المناسبة.
المطلوب من القطاع العام تطوير برامج التعليم مثلا التي تشكل المصدر الأساسي للإبداع والإنتاجية.
هنالك دور أساسي للقطاع العام في تمويل بعض النشاطات الإبداعية، خاصة الجديدة، بحيث تكبر وتتأهل تدريجيا للمنافسة القوية في الأسواق.
إنتاج المعرفة يختلف كليا عن إنتاج السلع والخدمات العادية.
خلال القرن الماضي، تحققت سياسات اقتصادية مالية ساهمت في توتير الاقتصاد الدولي وفي خلق أزمات خطيرة في آسيا وأمريكا اللاتينية وعالميا.
نتجت عنها مشاكل كبيرة في الموازنات وأزمات مالية عميقة تحولت إلى نقدية أي انهارت معها أسعار الصرف حتى الأساسية منها.
ارتفعت مستويات الدين العام في كل الدول خاصة الناشئة.
لم تكن السياسات المالية والنقدية بالمستوى المطلوب، فالأولى أنتجت هدرا وفسادا وأثقلت المواطن والشركات بأنظمة ضرائب جائرة وغير فاعلة.
ساهمت السياسات النقدية في إحداث تضخم كبير في معظم الدول التي اعتمدتها خطأ لتحقيق النمو.
كانت هنالك أزمات مصرفية أيضا ضربت توزيع الإقراض وبالتالي حولت النمو إلى أماكن خاطئة، فتوسعت فجوات الدخل والثروة.
هنالك إجماع عالمي اليوم يقول بأن هدف السياسة النقدية الرئيسي يجب أن يكون ضرب التضخم، وهدف السياسة المالية الأول مساعدة النمو وبالتالي تخفيض البطالة.
لا مانع من تنسيق السياستين المستقلتين كي تتحقق الأهداف الإيجابية كلها في نفس الوقت.
هنالك سياسات اقتصادية تشجع على تغيير هيكلية الاقتصاد، أي تحسن تنويعه بين القطاعات المختلفة وتساهم أيضا في خلق اقتصاد المعرفة الذي لا بديل عنه في الألفية الثالثة.
تتوجه هذه السياسات نحو تصحيح خلل الممارسة، ليس فقط في السياسات العامة وإنما أيضا في عمل القطاع الخاص.
من أهم جوانب هذه السياسات تصحيح خلل توزيع الدخل بين الطبقات الشعبية بحيث تتحسن قدر الإمكان أوضاع الفقراء.
تهدف السياسات الاقتصادية إلى خلق المناخات المناسبة لجذب الاستثمارات وبالتالي توسيع القاعدة التصديرية التي تجذب النقد الصعب إلى الاقتصاد الوطني.
ما هي المشاكل الأساسية التي تعاني منها الهند والتي تسيء اليوم إلى فرص نموها وتطوير اقتصادها وقطاع الأعمال داخلها؟ ما هي أبرز العوائق التي تمنع الهند من تحقيق طموحاتها المحقة؟ 
نشير إلى أربعة منها:
أولا: إمكانية تطبيق الإصلاحات، أي الحصول على موافقة المجلس النيابي المنقسم، بما فيها الإصلاحات الضرائبية الجاذبة للاستثمارات في مستوياتها وآلية تطبيقها.
ثانيا: وجود تضخم قوي يقارب الـ10% وهذه نسب لم تعد مقبولة اليوم مع تطور العلم وتحسن ممارسة السياسات الاقتصادية.
جذب الاستثمارات يفرض النجاح المسبق في ضرب التضخم، علما بأن الهند تنعم بحاكم مصرف مركزي مشهود له بالكفاءة على المستوى العالمي في الأكاديميات والممارسة.
ثالثا: المطر الخفيف الذي يجعل المياه أكثر ندرة ويعرقل نمو القطاع الزراعي الأساسي لدولة تحتوي على 1,3 مليار شخص.
رابعا: تحتاج الهند إلى إصلاحات كبيرة في قطاعات الطاقة، إنتاجا وتوزيعا، كما في قطاعي التعليم والصحة، بحيث تصل جميعها إلى المناطق الفقيرة وسكان الريف.
وضع الرئيس «مودي» صندوقا لتطوير البنية التحتية بقيمة 6 مليارات دولار، نصفه من القطاع العام.
تكمن العبرة في التنفيذ ضمن الوقت والنوعية المناسبين، بالإضافة إلى تحديد سياسات اقتصادية، مالية ونقدية، فضلى تساهم في تحقيق الاستقرار.
ما هي التحديات الأساسية التي تواجه الهند والتي تفرض تنفيذ سياسات هيكلية جديدة لمواجهتها؟ 
أولا: على الهند أن تستفيد أكثر من الطاقات الإنسانية الشابة التي تحتويها،
فالنمو السكاني لا يجب أن يكون عبئا فقط، بل يجب أن يعطي قدرة كبيرة على الإنتاج لرفع مستوى المعيشة.
هنالك أكثر من 100 مليون شاب وشابة سيدخلون سوق العمل في السنوات العشرة القادمة ويجب على الاقتصاد أن يستوعبهم.
ثانيا: الإصلاحات مطلوبة في أسواق السلع كما في أسواق العمل، مما يساهم في تحسين مناخ الاستثمار الجاذب لرؤوس الأموال الخارجية.
هنالك مستثمرون هنود ناجحون جدا في كل دول العالم ومن مصلحة الحكومة تشجيعهم على الاستثمار في دولة المنشأ، وهذا ما لم يحصل حتى اليوم.
ثالثا: هنالك إصلاحات قطاعية مطلوبة، خاصة في الزراعة، لرفع إنتاجية القطاع الذي يطعم 1,3 مليار شخص ويساهم في تخفيف ظلم الفقر.
المطلوب رؤية جديدة ترتكز على المادة والإنسان، والهند غنية بهما كثيرا.