سعود الحارثي

عدد المقالات : 186
عدد المشاهدات : 219813

التنمية حرية

 

كتاب قيم وشيق، وجميع كتب (عالم المعرفة)، الصادرة عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت مهمة ومنتقاة بدقة وحصافة تحت إشراف وعناية عدد من المفكرين والمثقفين النابهين علها توقد شعلة التغيير في عقول قرائها بلغة الضاد وتقود إلى نهضة اقتصادية وعلمية في العالم العربي، فتتحقق الغايات والأهداف السامية لهذه المراكز الثقافية والعلمية التي تنفق عليها حكومة الكويت بسخاء. وبالرغم من أن الكتاب صدر قبل أكثر من عقد ونصف إلا أن موضوعه ما يزال حيا نشطا في عالمنا العربي يحدث جدلا ويوقد شعلة النقاش والحوارات في ساحات الاعتصام وقاعات الدرس وعبر وسائل التواصل وتعد حوله الدراسات المتخصصة وتصدر عنه العديد من الكتب والتقارير العلمية، فالتنمية ومؤسساتها المختصة بتحرير الانسان من (الجهل والمرض والفقر)، وتعزيز الحريات وتحقيق الرخاء والازدهار، لم تحقق - للأسف - الأهداف المرضية ولم تصل إلى المؤشرات والمعايير التي اعتمدتها وأوصت بها المؤسسات والهيئات العالمية المعنية بحقوق الإنسان بل إن الفجوة تتعمق كل يوم بين تلك المؤشرات المعتمدة وبين الواقع المخجل، بدليل أن الحراك الشعبي ما يزال متواصلا ينتقل من عاصمة ومدينة عربية إلى أخرى والساحات تمتلئ بالمعتصمين المحتجين على ضياع حقوقهم وإهدار ثرواتهم الغاضبين على انتهاك كرامتهم وما تعانيه مجتمعاتهم من فقر وضعف في أداء مؤسسات التعليم والصحة والاقتصاد، وهي ملفات يبدو بأنها استعصت على المعالجة حتى الآن، فالمؤشرات والأسباب تعرضها الصور والتقارير اليومية المؤسفة على إهدار الطاقات والثروات وفي مقدمتها الثروة البشرية. (التنمية حرية)، تأليف أمارتيا صن، وترجمة شوقي جلال يدور في مجمله حول فكرة الحريات السياسية والحقوق المدنية ودورها في تحقيق التنمية ومعالجة العوز والإسهام في قيام نهضة اقتصادية متعددة الموارد، من منطلق أنها تستنهض وتحفز كل المكنات لخلق إنسان واع قادر على العمل واستشراف احتياجاته المستقبلية، وجاءت عناوين وفصول الكتاب الاثني عشرة للتأصيل والتأكيد بالأمثلة والنماذج والحجج على دور الحريات في التقدم والنهوض والرخاء والازدهار والاستقرار البشري، (إن انتهاك الحريات ينتج مباشرة عن إنكار نظم الحكم التسلطية للحريات السياسية والمدنية، كما ينتج عن القيود المفروضة على حق المشاركة الحرة في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للمجتمع). فـ (نقص الحريات الموضوعية مقترن مباشرة بالفقر الاقتصادي الذي يسلب الناس حقهم في الحرية لإشباع ما يعانونه من جوع، أو حقهم في الحصول على الغذاء الكافي، أو الحصول على فرصة تهيئ لهم لباسا او مأوى ملائما، أو الحصول على ماء عذب نقي أو مرافق صحية. ونجد في حالات أخرى أن افتقاد الحريات وثيق الصلة بالافتقار إلى المرافق العامة والرعاية الاجتماعية). فما الذي تتطلبه التنمية ليتحقق النمو والتقدم والجودة والرضا الشعبي وينعم المجتمع بالاستقرار؟ (تستلزم التنمية إزالة جميع المصادر الرئيسية لافتقاد الحريات). ينطلق الكاتب في رؤيته إذن من (رأس مال القدرة البشرية)، لتحقيق (التنمية الاقتصادية)، لأنه هدف وأساس ومحقق التنمية، وإحداث التطوير، فالإنسان هو المركز الحقيقي للتغيير والنشاط بمختلف أشكاله وصوره، ولرفع قدرات الإنسان واستثمار امكاناته في زيادة فعالية هذا النشاط فإننا نكون في حاجة لتعزيز الحريات وترسيخ نظام العمل المؤسسي والتشريعي وتحقيق العدل الاجتماعي، فتنمية قدرات الإنسان لا تتحقق (قسرا وفي مناخ استبدادي) وإنما في أجواء مشبعة بروح الحريات.