حتى وقت قريب لم تكن مصطلحات مثل التنوع الاقتصادي أو الضرائب وتقليل الاعتماد على عائدات البترودولار، لتطرق سامعي مواطني دول مجلس التعاون الخليجي. فبهذه الرقعة الجغرافية من العالم احتياطيات ضخمة من النفط والغاز والموارد الطبيعية.
ولكن الأزمة التي ضربت أسعار النفط مؤخراً وأوصلت أسعار النفط لأرقام غير متوقعة، غيرت النبرة الخطابية لصانعي القرار والاقتصاديين بدول الخليج. وكما يقول الخبير الاقتصادي بجامعة اكسفورد، الدكتورعادل مالك إن الازمات تصنع إصلاحات اقتصادية وتعود بالنفع الكبير على اقتصاديات وسياسات الدول، وفي هذا الطريق تحاول دول التعاون السير بخطى ثابتة من خلال ادخال إصلاحات إقتصادية لتنويع مصادر الدخل وخفض اعتماد موازناتها على ايرادات النفط، حتى لا تتأثر بأي أزمة مستقبلية.
لوسيل طرحت أثر سياسة تنويع الموارد الاقتصادية لدول التعاون على الخبراء والاقتصاديين حتى يستبين القارئ جدوى هذه الإصلاحات في المساحة التالية:
بناء مؤسسات شاملة
يقول البروفيسور جيمس روبنسون، الخبير الاقتصادي العالمي والأكاديمي بجامعة شيكاغو إن سياسة تنويع الاقتصاد بالخليج تركز على شد انتباه الناس للحاجة للتنوع الاقتصادي ، وعندما تتراجع اسعار النفط أنت تكون مجبراً على التفكير بأنه لا يمكنك الاعتماد على النفط للأبد. بالتالي تحتاج لاعادة النظر في طريقة القيام بذلك.
إجابة هذا السؤال ايضاً تعتمد على مدى نجاح دول مجلس التعاون الخليجي في وضع قرارات صحيحة لتطوير مؤسسات شاملة حتى تنوع اقتصادها. والتجارب في الدول حاضرة، فاذا أخذنا استراليا كمثال للدولة التي تعتمد على الموارد الوطنية مثل الذهب والفحم وبعض المصادر المتنوعة الأخرى، فهي أيضاً استثمرت في مواطنيها من خلال تعليمهم وخلق مجتمع قائم على المساواة بقدرات مجتمعية عالية. واستراليا بهذه المقدرات أصبحت تقود صناعة التعدين في العالم وبإمكاني أن أذكر لك عددا من الشركات الاسترالية العاملة في مجال الصناعات التعدينية مثل (بروكين هيلز، بي اتش بي) وشركات التعدين الاسترالية تسيطر على صناعة التعدين في العالم.
نجاحات سعودية
وحسب رأي الدكتور يوسف داود الذي يترأس برنامج اقتصاد المعرفة بمعهد الدوحة للدراسات العليا، فإن دول الخليج لا تزال تعتمد بشكل كبير على العائدات النفطية . ولكن اذا نظرنا للسعودية ودبي نجد أنهما حققتا نجاحات كبيرة. والقاعدة الانتاجية السعودية جيدة فهنالك الكثير من البضائع والسلع السعودية تنتشر في دول الخليج، اضافة لقيامها بالعديد من المشاريع الزراعية والصناعية المتنوعة.
وهنالك دول مثل الإمارات وقطر تخطط لوضع الضرائب لزيادة العائدات غير النفطية عبر سياسات مالية جديدة لتحقيق موازنة الحكومة وحتى يتعود الناس على مثل هكذا سياسات.
وبشكل عام لا يمكننا أن نجعل غالبية ايرادات موازنة الدول من مصدر واحد مثلما يحدث في فلسطين، حيث تعتمد الحكومة بنسبة تتراوح ما بين 60 إلى 67% من إيراداتها على التحويلات الجمركية من اسرائيل، وكلما أرادت اسرائيل أن تلوي يد السلطة الفلسطينية أقفلت الباب في وجهها.
التعلم من الأخطاء
محافظ البنك المركزي التونسي السابق، الدكتور مصطفي نابلي، قال إن هنالك إصلاحات ذات أهمية ظرفية تختلف من بلد لآخر، وعلى الأمد الطويل كل البلدان تتحدث عن تنويع الاقتصاد حتى تصبح أقل اعتماداً على النفط والغاز. ولكن هذا ما زال بعيداً جداً، فهذه البلدان ليس لديها سياسات كافية لتخدم التنوع الاقتصادي من الناحية الانتاجية. وفي كثير من الأحيان عندما يتقلب سوق النفط وينخفض سعر البترول نتحدث كثيراً عن التنويع وعندما ترتفع الاسعار ننسى التنويع الاقتصادي. وهذا يدل على عدم وجود سياسات على المدى الطويل ونخشي أن تنسى هذه الدول سياسة التنويع الاقتصادي بعد ارتفاع اسعار النفط مجدداً.
وفي السنوات الاخيرة تعلمت معظم الدول النفطية من أخطاء الماضي وأصبحت تسعى لتقليل آثار تقلبات العائدات النفطية على ميزانياتها، ولا زال النمو مرتبطا بشكل كبير على عائدات النفط ولكن بشكل أقل من العقود الماضية.
الاسثتمار في المواطن
لم يختلف رأي رئيس لجنة الخبراء الاقتصاديين بالبنك الدولي، الدكتور شانتايانان ديفاراجان، الذي يرى، أن اقتصاد دول الخليج سيكون قائماً على الموارد النفطية لوقت طويل، لأن لديها احتياطيا نفطيا يكفي لحوالي 30-40 عاماً، ناهيك عن احتياطات النقد الاجنبي الجيدة. بالتالي عندما نتحدث عن التنوع الاقتصادي يجب أن يكون حول كيف يمكنها تنويع اقتصادها بعد ثلاثين عاماً، ليس اليوم أو الغد. هذا سؤال صعب جداً، لأنك لا تستطيع أن تدرك كيف تكون قادراً على تنويع اقتصادك بعد ثلاثين عاماً من الان، بمعنى آخر هذا لا يعني أنه عليك أن تخلق صناعة بتروكيماوية أو الكترونية في الوقت الحالي، ولكن تحتاج إلى أن تؤهل شعبك من حيث التعليم. في الحقيقة يجب الاستثمار في تعليم الجيل القادم لانهم وحدهم من يستطيع أن يقرر كيف يمكنهم الاستثمار، نحن لا ندري ما هو المنتج الذي سيكون مهماً بعد 30 عاماً، ومثال على ذلك لم نكن نعلم أن الانترنت سيكون سلعة رئيسية قبل ثلاثين عاماً.
أعتقد أن الإيجابيات الواضحة لانخفاض أسعار النفط هي أن الدول الخليجية بدأت في اصلاحات لم يكن من المتوقع القيام بها منذ وقت طويل مثل اصلاحات بدائل الطاقة، وهذه ميزة ستجعل الاقتصاد أكثر قوة وفاعلية وهو بيت القصيد. وايضاً يمكنهم ايجاد بدائل لإيقاف استنزاف المياه لان المنطقة ستفقد طاقتها من المياه.
القطاع الخاص في دول الخليج يحتاج إلى تشجيع من حكومات الدول، فما زال صغيراً جداً والسبب أن القطاع العام الحكومي كبير جداً ويدفع أجوراً عالية، عليهم تشجيع الناس بالعمل في القطاع الخاص والطريقة الوحيدة للقيام بذلك هي خفض حجم القطاع العام ، الاحصاءات تقول إن حوالي 95% من القوى العاملة بالقطاع العام وهذا يجعل نمو القطاع الخاص صعبا جداً. وكما ذكرت فإن هؤلاء الـ 95% يحصلون على مرتبات عالية ومزايا كبيرة لا تتوفر في القطاع الخاص.
فرص إصلاحية كبيرة
فترة انخفاض أسعار النفط له تأثير حاد في ميزانيات الدول، وتعتبر فترة تحد لانها تخفض الموارد الاقتصادية تصاحبها تعديلات مالية صعبة وتخفض الانفاق العام وتقلل الاحتياطات.
ويؤكد الدكتور عادل مالك، الأستاذ بجامعة اكسفورد والمتخصص في السياسات الاقتصادية في الشرق الأوسط، إن مثل هكذا أزمات تمثل فرصة كبيرة لاصلاح المؤسسات الاقتصادية بالخليج، وخلق مؤسسات سياسية جديدة تقوم بالاصلاح المطلوب.
وبالفعل هنالك بعض الإصلاحات الجارية بدول مجلس التعاون الخليجي لم يكن أحد ليتصور انها ستحدث في فترة ارتفاع أسعار النفط. لقد أصبحوا يتحدثون عن اصلاحات بديلة وتوحيد القطاع العام واصلاح قطاعات الإسكان والمال. وهنالك اتفاقات كبيرة في مجال الطاقة ومذكرات تفاهم لتنفيذ اصلاحات قوية. كل هذه القضايا ما كان يمكن التعامل معها إلا في هذه الفترة التي نشهد فيها انخفاضا كبيرا لأسعار النفط.
وقطعاً هذه ليس بجديد فإذا نظرنا للعديد من الدول حول العالم نجد أنها دائماً تجد في فترة الأزمات فرصة كبيرة لايجاد حلول سياسية لقضايا معلقة لوقت من الزمن.
وإذا أخذنا الهند كمثال ، فهي واجهت أزمة مالية في 1991 ولكنها أصلحت السوق ووسعت الاقتصاد، وما كان يكمن أن نتخيل أن برنامج الإصلاح الاقتصادي الهندي سيحدث بدون الأزمة المالية التي ضربت الهند في 1991. ونفس الشيء حدث في تركيا التي عانت من سلسلة من الأزمات في 1999 و2000 ونتيجة لهذه الازمات وجد المسؤولون سياسات جديدة لإصلاح الاقتصاد.
وحتى على مستوى الأفراد فالأزمات جيدة لأننا نستطيع إصلاح أنفسنا، إنها مبادئ الطبيعة فعندما تتساقط أوراق الأشجار نعرف أنها إشارة لانتظار الربيع.
وبشكل عام إن أزمة انخفاض أسعار النفط يمكن أن تكون فترة كبيرة للإصلاح.