لم يمض على تسلم الرئيس الأمريكي جو بايدن زمام السلطة في البيت الأبيض سوى سبعة أشهر فقط، ليجد نفسه محاصرا بوابل من الأزمات التي خيمت بظلالها على المشهد العام وأوقعته فريسة للهجمات السياسية بالولايات المتحدة من جميع الجهات، بما في ذلك حزبه الديمقراطي.
وتعرض الرئيس بايدن لانتقادات جمة في الأسابيع الأخيرة بسبب طريقة تعامله مع سحب القوات الأمريكية من أفغانستان بعد 20 عاما من الحرب هناك، فيما وجد نفسه مطالبا بالتصرف حيال كارثة طبيعية جديدة عندما اجتاح الإعصار المدمر /إيدا/ ولاية /لويزيانا/ الجنوبية يوم /الأحد/ الماضي وخلف أضرارا شديدة، وكل ذلك في وقت يواجه فيه الرئيس أيضا ارتفاعا في تفشي الإصابات بمتحور /دلتا/ من فيروس كورونا /كوفيد-19/، وهو الأمر الذي يهدد بتقويض أحد أهم وعوده الانتخابية: وهو السيطرة على الجائحة.
في أبريل الماضي، أعلن بايدن قراره بسحب جميع القوات الأمريكية المتبقية في أفغانستان بحلول 11 سبتمبر المقبل، والذي سيوافق الذكرى الـ20 للهجمات الإرهابية التي وقعت في عام 2011 على نيويورك وواشنطن، لكن في 12 أغسطس قال بايدن إن الجيش الأفغاني البالغ قوامه أكثر من 300 ألف جندي، والذي تم تدريبه وتسليحه من قبل الولايات المتحدة، سيكون قادرا على التصدي لطالبان ومنعها من السيطرة على العاصمة الأفغانية كابول لمدة 30 يوما على الأقل، بيد أنه بعد ثلاثة أيام فقط من ذلك تمكنت طالبان من السيطرة على كابول.
وانتقد الكثير من الأمريكيين الذين أيدوا قرار الانسحاب طريقة تنظيم العملية في أفغانستان، حيث تم إخلاء قاعدة /باغرام/ الأمريكية حتى بدون إبلاغ المسؤولين الأفغان، كما أنه بعد سحب كثير من الجنود اضطر بايدن لإرسال الآلاف مرة أخرى إلى مطار كابول للمساعدة في إجلاء المواطنين الأمريكيين والمواطنين الأفغان الذي عملوا مع القوات الأمريكية.
ووجه الجنرال جيم جونز، الذي عمل كمستشار للأمن القومي في إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما، انتقادات حادة للرئيس بايدن على عدم إجلائه المدنيين أولا.
وقال جونز، في تصريحات للراديو الأمريكي، حين تتخذ مثل هذه القرارات، فأول شيء يجب أن تقوم به هو إجلاء المدنيين والأسر، ثم تقوم بإجلاء الموظفين الحكوميين الأمريكيين إذا تطلب الأمر، وبعد ذلك يكون آخر من يرحل عادة هو الجيش، الذي يوفر الأمن لعملية إجلاء منظمة .. مضيفا يبدو لي أننا فعلنا العكس تماما، ولا أعلم لماذا .
وأشار جونز إلى أنه كان شاهدا على الانسحاب الأمريكي من /سايغون/ في فيتنام في عام 1975، منوها بأن الانسحاب من أفغانستان كان أكثر إيلاما .
وشهد يوم /الخميس/ الماضي مقتل 13 موظف خدمة أمريكي في هجوم انتحاري وقع بمطار كابول، أدى أيضا إلى مقتل نحو 170 مدني أفغاني.
وغادرت آخر القوات الأمريكية أفغانستان أول أمس /الاثنين/، تاركة خلفها 200 على الأقل من المواطنين الأمريكيين وآلاف الأفغان الذين عملوا مع الولايات المتحدة سابقا.
وفي خطاب له، عقب يوم واحد من إتمام عملية الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، قال الرئيس الأمريكي جو بايدن، إن عصر مكافحة القوات البرية الأمريكية للإرهاب خارج البلاد وبناء الأمم ولّى وانتهى .
وأضاف بايدن، هذا يتعلق بإنهاء حقبة من العمليات الكبرى لإعادة بناء وتشكيل دول أخرى.. الولايات المتحدة ستواصل مكافحة الإرهاب، الذي انتشر إلى دول أخرى، ولكن من الجو .
فيما وصفت صحيفة /واشنطن بوست/، في مقال افتتاحي لها، عملية الانسحاب هذه بأنها كارثة أخلاقية، لا تعزى إلى تصرفات جنود أو موظفين دبلوماسيين في كابول، ممن تحلوا بالشجاعة والمهنية في وجه أخطار قاتلة محدقة، بل تعزى إلى أخطاء استراتيجية وتكتيكية ارتكبها الرئيس بايدن وإدارته .
وكما جرت العادة في الشارع الأمريكي، استغل القادة الجمهوريون فوضى الانسحاب من أفغانستان على أكمل وجه كسلاح سياسي ضد الرئيس جو بايدن.. وقد وصف السيناتور ميتش ماكونيل زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس الشيوخ عملية الانسحاب بـ الفشل الذريع .
وبدوره، دعا السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام إلى إقالة الرئيس بايدن من منصبه، قائلا هذا أكثر شيء مخز للشرف فعله قائد عام للقوات المسلحة في العصر الحديث .
وبعيدا عن أزمة الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، يجد الرئيس بايدن نفسه في مأزق متجدد يتمثل في عودة تفشي جائحة كورونا بأعداد متزايدة في الولايات المتحدة، مدججا بتفشي متحور /دلتا/.
وبعد أن تولى بايدن منصبه في يناير الماضي، بدأت حملة التطعيمات المكثفة ضد كورونا تؤتي ثمارها، إذ أدت إلى تراجع كبير في أعداد الإصابات والوفيات، لكن عدد الأمريكيين الذي تلقوا التطعيمات استقر عند نحو 50 بالمئة، وعادت الإصابات والوفيات ترتفع مجددا، لتصل إلى زيادة قدرها 12 بالمئة في أعداد الإصابات و91 بالمئة في أعداد الوفيات على مدى الأسبوعين الماضيين.
وقد أدى عودة تفشي كورونا بأعداد كبيرة إلى الإضرار بشعبية الرئيس بايدن، الذي كان أحد وعوده الانتخابية الرئيسية هو السيطرة على الجائحة، حيث أظهر استطلاع للرأي أجرته شبكة /إيه بي سي/ الأمريكية أن 53 بالمئة فقط من الأمريكيين المستطلعين يؤيدون طريقة تعامل الرئيس مع الجائحة، انخفاضا عن نسبة 69 بالمئة التي سجلت في أبريل الماضي.
وأخيرا، وليس آخر، جاء إعصار /إيدا/ المدمر ليضيف إلى سلسلة التحديات والصعوبات التي يواجهها الرئيس جو بايدن، عندما ضرب الإعصار مدينة /نيو أورلينز/ والمناطق المحيطة بها في ولاية /لويزيانا/ يوم /الأحد/ الماضي وأغرقها في الظلام، معيدا إلى الأذهان ذكرى أليمة حلت قبل 16 عاما، حين اجتاح الإعصار /كاترينا/، وهو إعصار من الدرجة الثالثة، /نيو أورلينز/ في عام 2005 وتسبب في مقتل أكثر من 1800 شخص.
ولم يؤد إعصار /إيدا/ إلى خسائر كبيرة في الأرواح، حيث لقي شخصان فقط مصرعهما حتى الآن، لكنه تسبب في غرق مناطق واسعة من /نيو أورلينز/ بالمياه، وكذلك انقطاع إمدادات الكهرباء عن ملايين الأشخاص.