تبنَّت وزارة البلدية ممثلة بإدارة البحوث الزراعية تنفيذ عدد من المشاريع البحثية المتقدمة لتوفير مُدخلات الزراعة محليا ومنها البذور، من خلال الاستخدام السلمي للتقنيات النووية والتكنولوجيا الحيوية، في إطار سعي دولة قطر لإيجاد حلول مبتكرة تتلاءم مع الظروف البيئية القطرية في ظل التحديات المناخية الكبيرة المتمثلة في ندرة الموارد المائية والأمطار وشح المياه الجوفية، وصعوبة الاعتماد على الزراعة التقليدية لتلبية الاحتياجات الغذائية، وذلك ضمن الجهود المستمرة لتعزيز المرونة والأمن الغذائي كأحد أهداف الخطة الاستراتيجية للوزارة 2024-2030.
وكشف السيد حمد ساكت الشمري مدير إدارة البحوث الزراعية عن 3 مشاريع رائدة في هذا المجال، وهي : المشروع الأول يعلق ب تطوير أفضل ممارسات التربة والمغذيات والمياه والنباتات لزيادة إنتاج الأعلاف في ظل الظروف المالحة والخضراوات في البيوت المحمية باستخدام الطاقة النووية وما يتصل بها من تقنيات ، والمشروع الثاني حول نشر أصناف الطماطم المتحملة للحرارة وذات الجودة العالية للإنتاج في البيوت المحمية بدولة قطر ، والمشروع الثالث يتعلق بتربية، انتخاب، تقييم، وإنتاج أصناف الخضر المنتجة محليًا لتحقيق الأمن الغذائي .
وحول المشروع الأول الخاص بتطوير أفضل ممارسات التربة والمغذيات والمياه والنباتات لزيادة إنتاج الأعلاف في ظل الظروف المالحة والخضراوات في البيوت المحمية باستخدام الطاقة النووية وما يتصل بها من تقنيات:
كشف السيد: حمد ساكت الشمري إلى إن هذا المشروع المشترك بين إدارة البحوث الزراعية بوزارة البلدية والوكالة الدولية للطاقة الذرية يهدف إلى تطوير أفضل الممارسات الزراعية لزيادة إنتاج الأعلاف والخضراوات في ظل الظروف المالحة والحرارة الشديدة التي تميز المناخ القطري. ويستند هذا المشروع إلى استخدام التقنيات النووية والإشعاعية في تحسين وتطوير أصناف نباتات الخضر المقاومة للملوحة والحرارة. وتتضمن هذه التقنيات الاستخدام الإشعاعي النووي لإحداث طفرات وراثية في البذور، مما يؤدي إلى ظهور سلالات جديدة من النباتات قادرة على التكيف مع الظروف البيئية القاسية. كما سيتم استخدام تقنيات الزراعة النسيجية والهندسة الوراثية لتحسين خصائص النباتات وزيادة إنتاجيتها. ويعتمد هذا المشروع بشكل كبير جدا على استخدام الفحم الحيوي المنتج في محطة أبحاث العطورية للخضر والبستنة كمدخلٍ أساسي في عملية بناء التربة والتسميد وتحسين إنتاجية النباتات.
وأوضح إنه خلال العمليات البحثية الزراعية في هذا المشروع تم زراعة 8 بيوت محمية بإجمالي 2800 م2 ومساحة 2000 م2 من الأرض الخارجية علي مدار عامين، وكان عدد النباتات 2000 نبات من كل نوع من الأنواع التالية: الطماطم، الفاصوليا، والذرة السكرية، في الجيل الأول M1، وفي الجيل الثاني تم انتخاب وزراعة 60.000 نبات من الأنواع ذاتها، وتجميع بذور كل نبات بشكل مستقل واجراء دراسات على الصفات الظاهرية والإنتاجية وجودة الثمار، وذلك لانتخاب وتحديد أنسب النباتات التي حدثت بها طفرات لزراعتها في الموسم القادم، وتعريضها للعوامل البيئية غير المناسبة لانتخاب أفضلها، وخلال المراحل الأولى للمشروع أظهرت العديد من النباتات إنتاجية مرتفعة جدا وعلى سبيل المثال تجاوز عدد الثمار على نبات الذرة السكرية في بعض النباتات 4 ثمار، وكذلك الفاصوليا والطماطم.
وبهذا الصدد، تؤكد إدارة البحوث الزراعية والوكالة الدولية للطاقة الذرية إن هذا الأصناف التي سيتم إنتاجها آمنة تماما على صحة الإنسان والكائنات الحية والبيئة. كما أن أحد الجوانب المهمة في هذا المشروع هو استخدام البيوت المحمية والزراعة المائية، وهي تقنيات تسمح بالتحكم الدقيق في ظروف النمو، مثل درجة الحرارة، والرطوبة، ومستويات الملوحة، والري. هذا يضمن توفير بيئة مثالية لنمو النباتات المطورة، مما يزيد من فرص نجاحها في الإنتاج التجاري.
وفيما يتعلق بالمشروع الثاني: نشر أصناف الطماطم المتحملة للحرارة وذات الجودة العالية:
أوضحت السيدة: عائشة دسمال الكواري رئيس قسم الموارد الوراثية عضو فريق العمل بالمشروع، إن هذا المشروع الوطني يركز على تطوير وإنتاج أصناف جديدة من الطماطم قادرة على التحمل الحراري العالي، وفي نفس الوقت تتمتع بجودة عالية من حيث الطعم والقوام والقيمة الغذائية. ويتم تمويل هذا المشروع من قبل مجلس قطر للبحوث والتطوير والابتكار بالتعاون مع وزارة البلدية ومعهد تربية النبات بجامعة سيدني في استراليا، ويعتمد المشروع على تقنيات لتقييم عدد كبير جدا من أصناف وسلالات الطماطم المحلية والمستوردة والتي بلغت 239صنفا مع درجات الحرارة المرتفعة جدا ومن ثم إجراء الاختبارات الكيميائية والوراثية على تلك الأصناف للتعرف علي الجينات المسؤولة عن تحمل الحرارة في ظروف مختلفة، بما في ذلك البيوت المحمية والحقول المفتوحة، لتقييم أدائها وتحديد الأصناف الأكثر ملاءمة للإنتاج التجاري في قطر. وبعد ذلك، يتم اختبار الأصناف الجيدة والتوصية بها للمزارعين.
واضافت، خلال هذا المشروع تم اجراء العديد من الدراسات الظاهرية والإنتاجية وتقييم جودة المحصول وربطها بالصفات الوراثية التي تحدد الأنواع الأكثر تكيفا وتحملا للحرارة في دولة قطر. وفي العام الأول تم زراعة 239 صنفا وخط تربية من محصول الطماطم وبالعام الثاني تم انتخاب واختيار 71 صنفا من الـ 239 التي زُرعت في العام الأول، وفي العام الثالث تم انتخاب 10 أصناف، تم تقييمها ودراساتها إنتاجيا ووراثيا، وحاليا تم انتخاب واختيار 5 أصناف فقط، جاري حاليا دراستها وتحديد الجينات المسؤولة عن تحمل الحرارة، وتقييم مواصفاتها الإنتاجية بشكل تجاري.
وفيما يتعلق بالمشروع الثالث: تربية، انتخاب، تقييم، وإنتاج أصناف الخضر المنتجة محليًا:
أوضح السيد: سويد المالكي رئيس قسم البحوث النباتية بإدارة البحوث الزراعية، إن هذا المشروع يهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي من إنتاج الخضراوات في قطر، من خلال تطوير أصناف جديدة تتلاءم مع الظروف البيئية المحلية. ويتم تنفيذ هذا المشروع بالتعاون بين مختلف الجهات البحثية والزراعية في الدولة، ويوفر قسم البحوث النباتية كل الإمكانيات المادية والفنية لضمان نجاح وتنفيذ هذا المشروع الهام.
ومضى قائلا، ويتضمن المشروع عدة مراحل، بدءًا من جمع وتقييم التنوع الوراثي للخضراوات المحلية والمستوردة، ثم انتخاب السلالات الأكثر تحملًا للظروف القاسية والأفضل من حيث الإنتاجية والجودة. بعد ذلك، يتم إجراء برامج تربية وتهجين لإنتاج أصناف جديدة تجمع بين الصفات المرغوبة. بعد تطوير الأصناف الجديدة، يتم اختبارها في ظروف مختلفة، بما في ذلك الحقول المفتوحة والبيوت المحمية والزراعة المائية، ويتم تقييم أدائها من حيث الإنتاجية، ومقاومة الآفات والأمراض، والجودة الغذائية، وغيرها من العوامل المهمة.
وأضاف، إحدى القصص الناجحة في هذا المشروع هي تطوير أصناف جديدة من الذرة السكرية والطماطم والفاصوليا المتأقلمة مع البيئة القطرية. بدأ العمل على هذا المشروع في عام 2019، وحاليًا وصلت الأصناف الجديدة إلى الجيل الخامس، وخلال العامين القادمين، سيتم اختبار هذه الأصناف لدي المزارعين، وسيتم اعتماد الأصناف التي تثبت جدارتها وتكيفها مع الظروف المحلية.
وقال الدكتور السيد العزازي خبير التقنية الحيوية والموارد الوراثية والمشرف على تنفيذ المشاريع: إن هذه المشاريع الثلاث تمثل خطوات مهمة نحو تحقيق الأمن الغذائي في قطر، من خلال توطين إنتاج البذور وتطوير أصناف جديدة من النباتات تتلاءم مع الظروف البيئية الصعبة. باستخدام التقنيات النووية والتكنولوجيا الحيوية الحديثة، والتي تمكن قطر من تعزيز إنتاجها الزراعي وتقليل اعتمادها على الواردات الغذائية .
ومضى قائلا، ومن ناحية أخرى فإنه إلى جانب هذه المشاريع الاستراتيجية لدولة قطر، يتم حفظ وتوثيق الأنواع النباتية للأغذية والزراعة في البنك الوراثي القطري وقواعد البيانات المحلية والدولية، ويوجد في البنك الوراثي القطري 1110 مدخلا بذرياً، وهناك نسبة كبيرة جداً من المدخلات البذرية الخاصة بالموارد الوراثية النباتية للأغذية والزراعة وشملت العديد من المحاصيل الزراعية ومنها علي سبيل المثال: المدخلات الوراثية البذرية للطماطم 398 مدخلاً، الفاصوليا 14 مدخلاً بذرياً، والذرة السكرية 41مدخلاً بالإضافة للعديد من الأنواع النباتية الأخرى.
وخلص العزازي للقول، إن نجاح هذه المشاريع يعتمد على التعاون الوثيق بين مختلف الجهات البحثية والزراعية، وكذلك على توفير الدعم المالي والتقني اللازم. كما يجب أيضًا العمل على نشر المعرفة والخبرات المكتسبة مع المزارعين والقطاع الخاص، لضمان تطبيق هذه التقنيات على نطاق واسع وتحقيق الاستدامة في الإنتاج الزراعي.
وتشكل هذه المبادرات خطوة مهمة نحو مستقبل زراعي أكثر أمانًا واستدامة لدولة قطر، حيث يمكن توفير الغذاء الآمن والصحي لسكانها، مع الحفاظ على البيئة والموارد الطبيعية المحدودة.