سجلت الحرائق بغابات الأمازون ارتفاعا غير مسبوق خلال شهر يوليو الماضي بلغ أكثر من ألف حريق خلال يوم واحد، ما أثار قلق المهتمين بالبيئة والمناخ بجميع أنحاء العالم، الذين حذروا من مخاطر استمرار حرق وإزالة تلك الغابات بالنسبة للبيئة والمناخ وجميع الكائنات الحية على وجه الكرة الأرضية.
ويتم إضرام الحرائق بغابات الأمازون بهدف إعداد الأرض للزراعة وتربية الماشية وشق الطرق الجديدة وإقامة التجمعات السكنية والصناعية واستغلال المناجم، بينما يعتبر العلماء تلك الغابات الهائلة مركزا حيويا وإحدى أهم حوائط الصد بالعالم أمام تغير المناخ والاحتباس الحراري.
ويحذر خبراء البيئة الدوليون من ضياع مساحات شاسعة من هذه الغابات، وقالوا إن ذلك سيكون له تأثير مدمر على مستقبل الكوكب، لأنه يعني انخفاضا بسعة رئة الكوكب الخضراء وبالتالي لن تستطيع تخزين وامتصاص الكثير من غاز ثاني أكسيد الكربون.
وعلى الرغم من الضغوط التي مارستها الجهات المحلية والدولية على الحكومة البرازيلية للقيام بمزيد من الإجراءات للحفاظ على غابات الأمازون، إلا أن شهر يوليو الماضي شهد زيادة بعدد الحرائق بنسبة ثمانية وعشرين بالمائة، مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، ووصفت تقارير بيئية هذه الزيادة بأنها الرقم الأعلى المسجل منذ عام 2005.
ويعتبر اندلاع الحرائق بغابات الأمازون خلال هذا الوقت من السنة أمرا طبيعيا، لتزامنها مع موسم الجفاف، الذي يبدأ من يوليو ويستمر حتى أكتوبر من كل عام، ويمكن أن تشتعل الحرائق بفعل الطبيعة نتيجة ضربات البرق، لكنها قد تشتعل أيضا بفعل المزارعين والحطابين ممن يتخلصون من الغابات لتجهيز الأرض لزراعة محاصيل جديدة أو للرعي، ونظرا لأن تكلفة إزالة الغابات باهظة الثمن، يعد الحرق أسرع الطرق وأرخصها لتنظيف أراضي الغابة من أشجارها ونباتاتها.
ويعتقد المدافعون عن البيئة أن سياسة الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو الرامية لفتح منطقة الأمازون أمام المزيد من الأنشطة الزراعية والصناعية، شجع على استغلال الغابات بشكل غير قانوني، ويقولون إن التقارير والإحصاءات تشير إلى أن إزالة الغابات بمنطقة الأمازون البرازيلية ارتفعت بشكل كبير خلال فترة حكم الرئيس بولسونارو الذي تعرضت سياساته البيئية لانتقادات محلية ودولية واسعة.
ويرفض الرئيس البرازيلي التقارير البيئية الخاصة بالحرائق، ويتهم منظمات غير حكومية بالوقوف وراءها للإضرار بصورته بعدما قرر تخفيض تمويلها، ويرفض المخاوف البيئية، ويقول إنه يريد تطوير منطقة الأمازون، مع المحافظة على غاباتها.
وقد باتت حرائق الأمازون قضية عالمية تدق ناقوس الخطر من جديد على الصعيدين الصحي والبيئي، كون الأضرار الناجمة عنها تمتد لخارج حدود البرازيل، لتشمل الكرة الأرضية بأسرها.
وتزود تلك الغابات منطقة الأمازون وجميع أنحاء أمريكا الجنوبية بالسحب المطيرة أو ما يسمى /الأنهار الطائرة/، التي تساهم باستقرار مناخ العالم، كما تلعب دورا بيئيا هاما كمحرك مائي عملاق، في الغلاف الجوي والمحيطات أيضا عبر الأنهار، لأن أحوال الطقس تحددها بشكل كبير تيارات المحيطات، التي تنقل المياه الدافئة من منطقة خط الاستواء إلى المنطقتين القطبيتين الشمالية والجنوبية، فيما تنقل المياه الباردة للاتجاه المعاكس.
ومن دون هذه التيارات ستتخذ درجات الحرارة عبر العالم منحى أكثر تطرفا مما هي عليه اليوم. وقد اعتبرت اتفاقية باريس للمناخ لعام 2015 الحد من ارتفاع حرارة الأرض إلى أقل من درجتين مقارنة بعصر ما قبل الثورة الصناعية، أحد أبرز أهدافها، وهو ما يعني حتما الحفاظ على الغابات.
وتعتبر منطقة الأمازون أكبر غابات استوائية بالعالم، وتغطي أكثر من خمسة ملايين كيلومتر مربع عبر تسع دول هي: البرازيل وبوليفيا وكولومبيا والإكوادور وغيانا الفرنسية وغيانا وبيرو وسورينام وفنزويلا. وتمثل غابات الأمازون، بأشجارها الكثيفة رئة لكوكب الأرض لما توفره من كميات كبيرة من الأكسجين، وتعادل مساحتها حوالي نصف مساحة الولايات المتحدة وتعد أضخم غابات مطرية على كوكب الأرض. ويغطي حوض الأمازون، ما يقرب من أربعين بالمائة من أمريكا اللاتينية، وتمتلك البرازيل التي تقدر مساحتها بثمانية ملايين وخمسمائة ألف كيلومتر مربع، نحو ثلثي مساحة الغابات المطرية هناك.
وتعمل غابات الأمازون كخزان هائل لثاني أكسيد الكربون، وتخزن ما يقدر بمائة عام من إنتاج البشر من انبعاثات الكربون، وهو أمر حيوي لإبطاء وتيرة الاحتباس الحراري، وعند قطع الأشجار أو حرقها، ينطلق الكربون الذي تخزنه تلك الأشجار إلى الجو وتقل قدرة الغابات المطيرة على امتصاص انبعاثات الكربون، كما تنتج غابات الأمازون عشرين بالمائة من الهواء الذي نتنفسه، وتمتلك عشرين بالمائة من المياه العذبة المتدفقة على هذا الكوكب، إذ يعد نهر الأمازون من أكبر وأغزر وأطول أنهار العالم بحسب خبراء البيئة.
وتتمتع غابات الأمازون بتنوع بيولوجي هو الأعلى على كوكب الأرض، ويحيا هناك نحو ثلاثة ملايين نوع من النباتات والحيوانات، والطيور والأسماك والحشرات. وبالإضافة إلى تنوعها البيولوجي الغني، فإن الأمازون غنية بالموارد المعدنية ومنها الذهب والنحاس والتانتالوم وخام الحديد والنيكل والمنغنيز.
واستوطن الإنسان غابات الأمازون قبل أكثر من أحد عشر ألف عام، وهي موطن لأكثر من أربعة وثلاثين مليون شخص حاليا. كما يعيش هناك حوالي ثلاثة ملايين إنسان من السكان الأصليين المرتبطين بالبيئة والذين ينتمون إلى حوالي 420 قبيلة، تمتلك كل واحدة منها لغتها وثقافتها المتميزة، وتعيش حوالي 60 منها وسط عزلة تامة. أما أكبر قبائل الأمازون فهي تيكونا ، ويبلغ عدد أفرادها 40،000 يعيشون في البرازيل وبيرو وكولومبيا.