كشف عدد من خبراء الاقتصاد والاستدامة لموقع لوسيل الاقتصادي أن برنامج لكل ربيع زهرة ، الذي انطلق في دولة قطر وتحول إلى نموذج بيئي رائد على مستوى المنطقة، وحاز على جوائز عربية رفيعة مثل جائزة التميز البيئي عن جامعة الدول العربية بالقاهرة، لا يمثل برنامجاً بيئياً تربوياً في المقام الأول فحسب، إنما يمتلك بعداً اقتصادياً استراتيجياً غير مباشر ولكنه بالغ الأهمية.
ويوم الخميس الماضي، الأول من أكتوبر 2026، أحرز برنامج لكل ربيع زهرة القطري جائزة التميز البيئي التي يمنحها مجلس وزراء البيئة العرب بالجامعة العربية المسؤولين عن شؤون البيئة، فرع المشروع البيئي المتميز في القطاع الأهلي، وذلك تقديراً لجهود البرنامج في نشر الوعي البيئي وترسيخ ثقافة الاستدامة.
وتسلّم الجائزة الاستاذ الدكتور سيف بن علي الحجري، مؤسس ورئيس البرنامج، بحضور أصحاب المعالي والسعادة وقيادات العمل البيئي من الدول العربية.
وقال الدكتور سيف بن علي الحجري بهذه المناسبة: إن هذا التكريم ليس جائزة لجهة بعينها، بل هو تقدير لنهج كرّسه أهل قطر في الاهتمام ببيئتهم وحفظ موارد وطنهم، ونحن نعتبره مسؤولية تُضاف لنكمل معاً رسالتنا بأن نجعل كل بيت واحة، ونجعل الأجيال القادمة أكثر وعياً بمسؤولياتها. إن ما تحقق هو ثمرة عمل جماعي، وإننا نستلهم من هذا التكريم دفعة جديدة لتوسيع نطاق المبادرات وتعميم الفائدة، انطلاقاً من قطر .
وحول بناء رأس المال البشري والاقتصادي الأخضر، يقول دكتور الحجري، رئيس البرنامج: إننا نستهدف الاستثمار في النشء والشباب من خلال قطاع واسع من الطلاب والشباب لغرس ثقافة الاستدامة وترشيد الاستهلاك، إلى جانب خلق وعي استهلاكي واقتصادي، لكون أن الفرد الواعي بيئياً يكون غالباً أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة والمياه وأقل إنتاجاً للنفايات، مما ينعكس على مستوى الاقتصاد الجزئي (ميزانية الأسرة) والاقتصاد الكلي (تقليل الهدر العام للموارد الوطنية) .
ويُعدّ البرنامج، الذي تأسس منذ 1999م، من أبرز المبادرات البيئية في دولة قطر، والتي نالت الرعاية الكريمة من لدن حضرة صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر، بهدف بناء جيل واعٍ بقضايا البيئة ومؤهل للمساهمة الفاعلة في تحقيق رؤية قطر الوطنية 2030م.
الشراكات والمسؤولية الاجتماعية

ويقول الأستاذ الدكتور خليل السعيد، مدير مركز حماة الطبيعة، إن البرنامج يعتمد على شراكات واسعة تضم جهات حكومية وأهلية وخاصة (مثل وزارة الأوقاف، ومؤسسة قطر، وقطاع الشركات الراعية). وهذه الشراكات توجّه جزءاً من ميزانيات المسؤولية الاجتماعية للشركات نحو مشاريع ذات عائد وطني مستدام، مما يعزز من كفاءة توظيف الأموال المجتمعية في خدمة الاقتصاد الأخضر، ومن المهم أن تتواصل مثل تلك الشراكات وتتسع قاعدتها باعتبارها مسؤولية اجتماعية أولى.
خفض التكاليف
وأوضح الخبير الاقتصادي وأستاذ الاستدامة الدولي الأستاذ الدكتور عمر العباسي أن البعد الاقتصادي لهذا البرنامج يتمثل في عدة محاور رئيسية تدعم الاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة، وفق الآتي: خفض التكاليف البيئية والعلاجية من خلال نشر الوعي بأهمية الغطاء النباتي، ومكافحة التصحر، وتقليل التلوث الغباري والبيئي، إذ يساهم البرنامج في تحسين جودة الهواء والنظام البيئي المحيط.
وتابع أن العائد الاقتصادي من وراء ذلك يتمثل في تحسين جودة البيئة، الأمر الذي ينعكس مباشرةً على تقليل معدلات الأمراض المرتبطة بالتلوث مثل الحساسية وأمراض الجهاز التنفسي، مما يخفض بدوره الأعباء المالية المخصصة لقطاع الرعاية الصحية وأيام العمل المفقودة بسبب المرض.
دعم السياحة البيئية
وقال الخبير بشؤون السياحة الدكتور أسامة الفقي إن البرنامج يساهم أيضاً في دعم السياحة البيئية الداخلية من خلال إبراز التراث النباتي، ويعرّف البرنامج المجتمع والزوار طوال مواسمه بنباتات البيئة القطرية الأصيلة (مثل الغاف، والعوسج، والعشرق، وغيرها)، مما يحيي الاهتمام بالموروث البيئي الصحراوي.
وأضاف الفقي أنه يساهم أيضاً في تنشيط السياحة المستدامة، حيث تشكل هذه البرامج والفعاليات الميدانية وجهة مفضلة للمدارس والعائلات والمهتمين بالسياحة البيئية، مما يدعم قطاع السياحة الداخلية ويشجع الاستثمار في المرافق البيئية والمحميات الطبيعية كرافد اقتصادي ترفيهي وتعليمي.
حماية الأصول الطبيعية
وقال الخبير بمجال الاستدامة السيد محمد هاشم المدير التنفيذي لمعسكر برنامج لكل ربيع زهرة ، إن البرنامج يساهم في الحفاظ على الأصول الطبيعية والتنوع البيولوجي وحماية الثروة النباتية كأصول استراتيجية، بالتعامل مع النباتات البرية على أنها ليست مجرد مناظر جمالية، بل هي جزء من البنك الوراثي الطبيعي الذي قد يدخل مستقبلاً في الصناعات الدوائية أو العلفية أو الزراعية الملائمة للبيئات القاسية.
واستطرد إلى جانب دور البرنامج في دعم التنمية المستدامة من خلال حماية هذه النباتات من الرعي الجائر أو الإبادة البشرية، لكونها تحافظ على خصوبة التربة وتمنع تدهورها، مما يوفر على الدولة لاحقاً مبالغ طائلة تُنفق عادةً على مشاريع استصلاح الأراضي ومكافحة التصحر.
وخلص محمد هاشم للقول لا يمكن فصل البعد البيئي لبرنامج لكل ربيع زهرة عن جذوره الاقتصادية؛ فهو يمثل استثماراً طويل الأجل يحمي رأس المال الطبيعي والبشري لدولة قطر، متسقاً بذلك مع رؤية التنمية المستدامة وركائز الاقتصاد الأخضر.