آفاق جديدة لتطوير الجيل الرابع من الخلايا الشمسية

لوسيل

الدوحة - لوسيل

من أكبر التحديات اليوم في علم المواد وتكنولوجيا تحويل الطاقة هو اكتشاف المواد المُثلى لقائمة طويلة من التكنولوجيات المُلحَّة، مثل الأجهزة البصرية الإلكترونية الفعَّالة، والبطاريات طويلة العمر، والموصلات الفائقة عالية الحرارة، وحوسبة الكم. وعلى الرغم من التقدم الكبير في هذا المجال، ما زال هناك حاجة ماسَّة إلى طُرق مُبتكرة لتسريع عمليات تطوير المواد المُستدامة.

وبناء على ذلك، قام الدكتور ياسر حسن، الأستاذ المساعد في قسم الكيمياء وعلوم الأرض بكلية الآداب والعلوم في جامعة قطر، بأخذ خطوة كبيرة نحو تثبيت مواد البيروفسكايت كيميائيًا مما فتح الآفاق لتطوير إمكانيات مواد البيروفسكايت كأشباه موصلات متعددة الاستخدامات. كما نشر مع فريقه البحثي الدولي في جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة، ورقة بحثية في مجلة نيتشر المرموقة.

تُعد مواد البيروفسكايت بمثابة وعد كبير لمجموعة من التقنيات الحديثة المطلوبة بشكلٍ عاجل مثل الخلايا الشمسية وأجهزة الاستشعار والبصريات الكهربائية الفعَّالة، وذكر الباحث في أبحاثه التي قام بها في هذا المجال بأنه يمكن للبيروفسكايت أن تُحدث ثورة في كيفية استغلالنا لأشعة الشمس، وتضيء العالم، وتكتشف الإشعاع، وتنظف الفضلات النووية.

إن كفاءة الطاقة لهذه الفئة من شبه الموصلات تعود إلى خصائصها البصرية الكهربائية الاستثنائية، حيث تتميز بقدرتها على امتصاص الضوء المرئي كله، كما أن قدرتها على امتصاص الضوء قوية وتفوق كل أنواع أشباه الموصلات المعروفة حتى الآن. تتميز مواد البروفيسكايت عند امتصاصها للضوء بإن الإلكترون المُستثار داخلها دون غيرها من المواد، له قدرة عالية على الحركة داخل البلورة بِحُرية مما يؤدي إلى سهولة توصيله للكهرباء.

ركَّزت الدراسة المنشورة في مجلة نيتشر على المشكلة المحورية لعدم استقرار البيروفسكايت حيث أكتشف الفريق البحثي أن عدم الاستقرار تسببه ذرات الرصاص غير المرتبطة على سطح المادة، وهذه الذرات هي المسؤولة عن ظاهرة تسمى بالانفصال الهاليدي أو فصل الهالوجينات ، حيث أنه تحت الضغط الضوئي أو الحراري تبدأ ذرات اليود في التحرك من أماكنها في البلورة مما يؤدي إلى تدهور هيكل البيروفسكايت البلوري مع مرور الوقت.

وأوضح الباحث أنه من خلال النظر إلى الطبيعة حولنا، وبالأخص كيف تقوم الأنظمة البيولوجية مثل كبد الإنسان بإزالة سمية ذرات الرصاص الحرة، تم اكتشاف أن هذه المواد البيولوجية لها قدرة على عمل مُتراكبات قوية مع ذرات الرصاص الطليقة على أسطح البروفيسكايت.

تتميز الطريقة المُبتكرة للفريق بمعالجة عيوب الأسطح وتثبيط انفصال الهاليد، مما يزيد من الاستقرار الكيميائي والضوئي للمادة. كانت النتائج مذهلة، حيث بلغت الانبعاثات ذات الألوان الحمراء ذروتها عند كفاءة الكم الخارجي (EQE) بأكثر من 20%، حيث أُكتشف أن حساسية بيروفيسكايت هاليدات الرصاص تعتمد بشكلٍ كبير على ثبات أسطحها. وبالتالي قام الفريق بعرض طريقة تحكُّم فعَّالة في إصلاح عيوب أسطح هذه المواد وتثبيط انتشارها، وتُعد هذه خطوة حيوية لتحقيق استقرار فجوة النطاق المطلوبة في تطبيقات الخلايا الشمسية وباقي التطبيقات لهذه المواد الهامة.

في دراسة حديثة أخرى قادها الدكتور ياسر حسن بالتعاون مع فريق متميز من جامعة أوريغون بالولايات المتحدة الأمريكية، تم الكشف عن رؤى حاسمة حول سلوك البلورات النانومترية من البيروفسكايت المتكون من خليط من هالوجينات اليود والبرومايد (CH3NH3PbIxBr3-x)، تتميز هذه البلورات النانومترية بخصائص فريدة، إلا أنه ظلّ التحدي الكبير هو أن الهاليدات تنفصل أثناء التَّعرض للضوء، مما يجعل المواد غير مستقرة. وقد قام الفريقان من جامعة أوريغون وجامعة قطر على الرصد الدقيق لديناميكيات الذرات المُثارة التي تقف وراء هذا الانفصال الهاليدي المُحفَّز بالضوء باستخدام التحليل المؤقت بالفيمتو ثانية (In-situ Femtosecond Transient Absorption Technique). وخلص الفريق إلى آليتين محتملتين لانفصال الهاليد، أيَّدت نتائج الفريق بقوة الآلية التي تتكون فيها الأنيونات اليودية لتشكيل تَجمعُّات داخل البلورات النانومترية قبل التحرك، بدلاً من التحرك بشكل فرادي نحو أسطح البروفيسكايت، يوفِّر هذا الاكتشاف فهمًا أعمق لظاهرة انفصال الهاليد، وهو يُمهد الطريق لاستراتيجيات مُبتكرة لتحقيق استقرار فجوة النطاق في مواد البروفيكسايت، ويُعد تقدم كبير للتطبيقات المستقبلية المتعلقة بها.

يُعد المجهود الذي بذله الفريق البحثي بمثابة تمهيد الطريق لاستخدام البيروفسكايت بشكلٍ موثوق في مجموعة متنوعة من التقنيات المهمة التي قد تؤثر في الحياة اليومية، مما يمثل قفزة نحو مُستقبَل مُستدام وفعَّال. وذكر الباحث بأنه يمكن أن يكون هذا تغييرًا جذريًا في علوم المواد، مما يفتح الباب أمام مجموعة من التطبيقات من الخلايا الشمسية الفعَّالة إلى معالجة النفايات الإشعاعية، وتطبيقات التصوير الطبي، وحوسبة الكم.

بعد مسيرة مهنية استمرت لقرابة عقدين من الزمن، يعد العمل الأخير تتويجًا طبيعيًا لجهود الدكتور حسن المستمرة في مجال المواد المُستدامة وتقنيات تحويل الطاقة، فقد كانت مساهماته حاسمة، خاصة لمجال لا يزال حديثًا نسبيًا. كما نشر أبحاث ذات تأثير عالي في هذا المجال تمهد الطريق في المواد التي تزيد من الكفاءة، وتقلل التكاليف، وتعزز السلامة في تطبيقات الطاقة المُتجددة.