تستخدم النظرية الكلاسيكية الحديثة جوانب الأداء الوظيفي الكامل للأسواق كجزء من فرضياتها الأساسية، وتقدم تلك النظرية نقاط الخلل خلال مراحل تطورها، وفي كتاب الرأسمالية: المنافسة والصراع والأزمات ، يشير المؤلف أنور شيخ، الخبير الاقتصادي الأمريكي من أصل باكستاني وأستاذ الاقتصاد في كلية الدراسات العليا بجامعة نيويورك، إلى أن معظم القضايا المركزية للتحليل الاقتصادي من الممكن اشتقاقها دون أي إشارة إلى الأولوية والتحسين والمنافسة الكاملة والمعلومات المثالية أو حتى التوقعات العقلانية.
ويشتمل ذلك على قوانين العرض والطلب وتحديد معدلات الأجور والأرباح والتغير التكنولوجي وأسعار الفائدة والأسعار النسبية وأسعار الأسهم والسندات والميزان التجاري والنمو والبطالة والتضخم جنبا إلى جنب مع الطفرات الطويلة التي بلغت ذروتها في الأزمات العامة المتكررة.
يهتم المؤلف في كتابه هذا وبصورة رئيسية بدراسة الرأسمالية الحقيقية وآليات عملها في الواقع وليس إعطاء الأهمية الأولى للمسائل ذات الطابع النظري التي تميل في الكثير من الأحيان لإصباغ صيغة مثالية أو لتوجيه النقد للمنظومة الرأسمالية.
وبالإجمال يقدم المؤلف نظرة جديدة فيما يتعلّق بتحليل اقتصاد السوق الرأسمالي.
وفي كل حالة، تنطبق نظرية أنور شيخ على الأنماط التجريبية الحديثة وتتناقض مع المداخل الكلاسيكية الحديثة والكنزية وما بعد الكنزية، إلى القضايا ذاتها.
والهدف من التحليل يتمثل في أن الاقتصاد الرأسمالي والفكر الاقتصادي حول الموضوع يتم طرحه في هذا الإطار، ولعل هذا هو الأسلوب الذي انتهجه الخبراء الاقتصاديون الكلاسيكيون في تناول القضية.
ويرى المؤلف أن النظرية الاقتصادية المطبقة في العالم الرأسمالي المتقدم تبدو وكأنها واحدة من جوانب التقدم المستمر: النمو المستدام ومستويات المعيشة المرتفعة ومعدلات الإنتاجية الزائدة، بل وتحسين الأوضاع الصحية للمواطنين، ومستويات الرفاهية.
ويوضح أنور شيخ بعض الأهداف المختلفة من هذا الكتاب، قائلا إن الهدف الأول يتمثل في أن الاقتصاد الكلاسيكي الحديث يحقق في أعمال النسخة المثالية من الرأسمالية، ومن تلك النقطة يبدأ هذا الاقتصاد في رسم ملامح العالم.
والاقتصاد المتغاير يستغل المسافة بين رؤية الكمال تلك والعالم الحقيقي.
ويحاول كل من الاقتصاد الكلاسيكي والاقتصاد المغاير سد الفجوات الناتجة، ويهدف كتاب الرأسمالية: المنافسة والصراع والأزمات إلى تطوير هيكل نظرية ملائم منذ البدايات الأولى للتشغيل الفعلي للبلدان الرأسمالية المتقدمة الحالية.
وهدف التحقيق الذي يجريه هذا الكتاب ليس كاملا أو معيبا، ولكنه حقيقي.
ولهذا السبب، فإن الحجج النظرية التي تطورت هنا، جنبا إلى جنب مع بدائلها الأساسية، يتم تناولها هنا بالأدلة التجريبية.
ويوضح المؤلف أن الهدف الثاني من هذا الكتاب هو أنه وعلى الرغم من أنه يسعى إلى إظهار حقيقة مفادها أن النظام الاقتصادي الرأسمالي يتمخض عنه أنماط منظمة وقوية، فإن القوى التي تشكل تلك الأنماط ليست صلبة أو جامدة، كما أنها ليست مجرد مجموعة من الظروف.
ولكن تلك القوى هي حدود متحركة تحدد تدرجاتها ما هو سهل وما هو صعب في أي وقت.
وعلى هذا النحو فإن تلك القوى تنقل المسارات المؤقتة للمتغيرات الاقتصادية الأساسية.
ولذا فإن تلك القوى التشكيلية هي نفسها نتاج تعليمات معينة، مثل السلوكيات الخاصة بـ السعي وراء الكسب التي تحدد هذا العرف الاجتماعي الخاص في كافة تعبيراته التاريخية.
ويقول مؤلف الكتاب إن الهدف الثالث من الكتاب هو أن النظام المنهجي يُنتج في وعبر الخلل المستمر، مشيرا إلى أن محاولة الفصل النظري للنظام عن الخلل أو الفوضى، أو حتى محاولة مجرد تأكيد واحدة على الأخرى، تعني فقدان وحدتها، ومن ثم العوامل ذاتها التي يتمخض عنها هذا النظام بأنماطه العميقة.
ومع ذلك فإن النظام ليس مرادفا للمثالية، مثلما أن الخلل، أو الفوضى، ليس مرادفا لانعدام النظام.
ثم يمضي مؤلف الكتاب في التأكيد على أن الأدلة التجريبية تلعب دورا محوريا في هذا السياق لدرجة أنه من المهم ملاحظة أن البيانات ليست مجرد مجموعة من الحقائق الموجودة سلفا.
فالنظرية دائما ما تتداخل، ليس فقط في تفسير وتأويل الأحداث ولكن أيضا في تمثيلها.
فعلى سبيل المثال فإنه لا يوجد تحليل للبطالة يمكن أن يستمر دون إعادة تنظيم ذلك في كافة الحسابات الرسمية في البلدان المتقدمة، فالشخص يمكن اعتباره عاملا إذا ما كان هو/ هي قد أدى أي عمل يحصل منه على أجر أو ربح خلال الأسبوع.
وقد بدأت الوكالات الأمريكية في الثلاثة عقود الماضية فقط في نشر مقاييس العمال الذين يعملون على نحو جزئي، وهو ما يكشف بالطبع صورة أكثر كآبة للاقتصاد.
ويحدد المؤلف في مقدّمة الكتاب أنه يريد من هذا العمل استنباط النظرية الاقتصادية من العالم الحقيقي ثم تطبيقها على مشكلات العالم الحقيقي . وهو يطبّق ذلك على المسائل الاقتصادية الأساسية الكبرى.
وعلى رأسها تلك المتعلّقة بالعرض والطلب وبالأسعار الخاصّة بالمنتجات والخدمات وبأسعار الفائدة وبتأثيرات التغيرات التكنولوجية الكبرى.. إلخ.
وهذا يعطي أهمية خاصّة بالنسبة للمهتمّين بصياغة السياسات الاقتصادية على مختلف مستوياتها أو الباحثين عن فهم آليات عمل الرأسمالية بنسختها الحالية.
ويشير أنور شيخ إلى أنه يستلهم عملياً تلك الحلول من مسار التطوّر التاريخي ومن النماذج التجريبية التي عرفتها المنظومة الرأسمالية منذ ظهورها حتى اليوم.
وبالاعتماد على المنافسة الحقيقية كما يفرضها الواقع وليس من المنافسة كمفهوم اقتصادي نظري عام.
وفي الفصل الثاني من الكتاب يقدم المؤلف الأدلة التجريبية على خصائص الأنماط الاقتصادية المطبقة منذ فترة طويلة في البلدان الرأسمالية المتقدمة.
ويشتمل ذلك على النمو المستمر والإنتاجية والأرباح والتوظيف.
ويتناول المؤلف في الفصل الثالث الأسئلة المنهجية عبر تواجد الأنماط طويلة الأجل، ويبدأ الفصل بسؤال حول المنهجية، أما الفصل الرابع فقد ناقش هيكل الإنتاج الاجتماعي.
وهنا يلفت المؤلف إلى أن النظام الرأسمالي، على السطح، يبدو نظاما قائما على تبادل المنفعة.
والاقتصاد الكلاسيكي الحديث يقدم عملية تبادل المنفعة تلك على أنها المبدأ التنظيمي المركزي للمجتمع الرأسمالي، ويطرح مسألة إدخال الإنتاج كوسيلة للتبادل غير المباشرة بين كوسيلة للتبادل غير المباشر بين الحاضر والمستقبل.
وفي الفصل الخامس يناقش المؤلف مسألة المال، قائلا إن أنشطة الإنتاج يتم الاضطلاع بها من قبل الشركات المملوكة للأفراد والتي تحقق أرباحها الخاصة بها، دون مراعاة لمواءمتها مع الاحتياجات الاجتماعية.
ويضيف المؤلف أن كل شركة تتوقع أرباحا من مبيعات المنتجات، وتتوقع أيضا شراء منتجات أخرى للمدخلات المستقبلية أو الاستهلاك الشخصي.
ويطور المؤلف في مختلف فصول هذا الكتاب النظريات الاقتصادية الشائعة ويناقشها مع المعطيات التي يبرزها الواقع الحقيقي.
هكذا يناقش في مثل هذا السياق ما يصفه بـ المنافسة الحقيقية ويطبّقها بالنسبة للأسعار وهوامش الربح ومعدلاته والعرض والطلب وغير ذلك من المسائل الاقتصادية.
والكتاب قد يغدو في المستقبل القريب جداً بمثابة مرجعية أساسية في الفكر الاقتصادي الرأسمالي الحديث، وموضع اهتمام استثنائي بالنسبة للدارسين وواضعي الأساسيات الاقتصادية.
وبالنسبة للأزمات في ظل الرأسمالية، فإن المؤلف يكرس لها الكثير من الصفحات، ذلك خاصّة بالنسبة لسبل التعرّف إليها وهي في المراحل الجنينية من تشكّلها.
ويحدد القول إنه على مستوى الشكل الظاهري بالنسبة للأزمة الأخيرة التي انفجرت انطلاقاً من الولايات المتحدة في خريف عام 2008، يوحي ما جرى أن الأمر يتعلّق بأزمة إفراط في التمويل .