المحادثات التجارية بين الولايات المتحدة والصين.. الأقوال تخالف الأفعال

لوسيل

الدوحة-قنا

شكل قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض رسوم جمركية بنسبة عشرة في المائة على ما تبقى من واردات بلاده من الصين، وقيمتها ثلاثمائة مليار دولار اعتبارا من الأول من سبتمبر المقبل، صدمة ومفاجأة للمؤسسات والأوساط الاقتصادية على جانبي المحيط الهادئ، فقد جاء التهديد بفرض الرسوم الجديدة بعد أقل من 48 ساعة على اختتام جولة جديدة من المحادثات التجارية بين الدولتين في شنغهاي،وصفت بأنها كانت بناءة.

كما جاءت هذه الرسوم لتبدد الآمال وأجواء التفاؤل التي أشاعها اللقاء الثنائي للرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والصيني شي جين بينغ على هامش قمة العشرين في أوساكا باليابان أواخر يونيو الماضي، حيث اتفقا على استئناف المفاوضات التجارية بين بلديهما لوضع نهاية للحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم.

وقد أبدت الصين رفضها للرسوم الجديدة، وقالت إنها لا ترغب في الحرب التجارية التي لن يكون فيها رابحون، لكنها ليست خائفة منها وستخوضها إذا لزم الأمر، وقالت المتحدثة باسم الخارجية الصينية إن بكين لن تقبل بأي شكل ما أسمته أشكال الضغط أو التخويف وستفرض تدابير مضادة، وحملت الولايات المتحدة كافة العواقب المترتبة على هذا التصعيد.

وذكرت تقارير إعلامية في واشنطن أن قرار الرئيس ترامب بفرض رسوم جديدة على الواردات الصينية، جاء بعد أن عاد الوفد الأمريكي إلى مفاوضات التجارة مع الصين، خالي الوفاض من جولة شنغهاي الأخيرة، حيث لم يقدم الجانب الصيني أي مقترحات جديدة لوقف الحرب التجارية بين البلدين، وأضافت التقارير أن الرئيس ترامب كان مقتنعا بعد لقائه بالرئيس الصيني في أوساكا، أن بكين ستستأنف عمليات الشراء الضخمة للسلع الزراعية الأمريكية كبادرة حسن نية لإعادة المحادثات المتوقفة إلى مسارها، لكن الصينيين لم يقوموا بشراء كميات كبيرة من هذه السلع منذ ذلك الاجتماع.

وأشارت إلى أن الرئيس الأمريكي كان غاضبا للغاية مما اعتبره فشل الرئيس شي في الوفاء بوعده لكبح جماح صادرات عقار الفنتانيل الصينية إلى الولايات المتحدة، وهو العقار الذي يعد من أقوى المسكنات الطبية، لكن ينسب إليه تأجيج أزمة إدمان المخدرات في الولايات المتحدة.

ونفت الصين هذه الاتهامات، وردت بأن واشنطن لم تف بالتزاماتها الخاصة برفع الحظر عن شركة هواوي ،عملاق الاتصالات الصيني .. كما نفت تلميحات أمريكية بأنها تحاول إطالة أمد المفاوضات حتى العام المقبل، على أمل وصول قيادة جديدة للبيت الأبيض بعد انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2020 .

وقد دافع الرئيس الأمريكي عن الرسوم الجديدة، وقال إن الأمور تسير بشكل جيد مع الصين وأنه يتعين عليها فعل الكثير، لإحداث تحول في مسار مفاوضات التجارة مع الولايات المتحدة، وقال إنه قد يرفع الرسوم أكثر إذا تقاعس الرئيس الصيني عن التحرك بسرعة أكبر للتوصل إلى اتفاق تجاري بين البلدين.

وأصر الرئيس ترامب على أن المستهلكين الأمريكيين لا يتحملون عبء الرسوم الجمركية التي فرضت على الواردات الصينية، لكن العديد من الدراسات أظهرت أن الرسوم الجمركية على البضائع الأجنبية يتم دفعها دائما من قبل المستوردين الأمريكيين، وعادة ما يتم نقل التكلفة المضافة إلى تجار التجزئة والمستهلكين في نهاية المطاف.

وتشمل قائمة السلع المستهدفة بالرسوم الجمركية الجديدة السلع الاستهلاكية مثل الهواتف الذكية والملابس والأحذية ومواد البيع بالتجزئة الأخرى.

وخلال أكثر من عام، عقدت الصين والولايات المتحدة 11 جولة من المحادثات رفيعة المستوى، في محاولة لتسوية خلافاتهما التجارية، لكن المفاوضات فشلت وانتهت إلى طريق مسدود، واتهمت واشنطن الجانب الصيني بالتراجع عن نقاط تم الاتفاق والتفاهم بشأنها، وردت بكين أن الوفد الأمريكي طرح خلال المفاوضات مطالب غير واقعية تنتهك سيادة الصين وكرامتها.

وقالت إن حرب التعريفات الجمركية الأمريكية ضد الصين، تلحق الضرر بالاقتصاد والشعب الأمريكي، كما تؤثر سلبا على آفاق النمو في الاقتصاد العالمي، جراء حالة عدم اليقين التي تغلف السياسات التجارية، وقلق الأسواق الدولية من احتمالات تصاعد النزاع بشكل حاد بين بكين وواشنطن وامتداده إلى قطاعات أخرى غير التجارة.

وفي هذا السياق، انخفض اليوان الصيني اليوم في آسيا، للمرة الأولى إلى ما دون المستوى منذ بدء تداوله في الخارج بهونغ كونغ عام 2010، وأدنى مستوى له بالسوق الصينية منذ أبريل 2008، ما أدى لهبوط عملات أخرى في المنطقة.

ويرى البنك المركزي الصيني أن الانخفاض ناجم عن ما أسماه الحمائية التجارية الأحادية الجانب، وتوقعات بمزيد من الرسوم الجمركية على الصين .. لكن البنك أكد أنه يتمتع بالخبرة والثقة والقدرة على الحفاظ على سعر صرف اليوان مستقرا بشكل أساسي عند مستوى توازن معقول، دون أن يوضح بالتفصيل ما يعتبره المستوى المناسب.

ويقول المحللون إن انخفاض سعر صرف اليوان قد يعني أن المنتجات الصينية ستكون أرخص من حيث شراؤها بالدولار الأمريكي، وستحافظ على قدرتها التنافسية في الولايات المتحدة بالرغم من الرسوم الجمركية.

وللنزاع بين الصين والولايات المتحدة آفاق أبعد من الخلافات التجارية، فقد اتهم وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر مطلع هذا الأسبوع الصين بالعمل على زعزعة الاستقرار في المحيطين الهندي والهادئ، وأضاف في تصريحات له خلال زيارة لأستراليا إنه لا يمكن أو ينبغي لدولة واحدة أن تهيمن على تلك المنطقة وإن واشنطن وحلفاءها وشركاءها يعملون لتلبية الاحتياجات الأمنية الملحة للمنطقة.

ويقول المراقبون إن الصين أثارت التوتر في تلك المنطقة، وأغضبت الولايات المتحدة بعد وضع معدات عسكرية وإقامة منشآت أخرى فوق الجزر الصناعية التي أقامتها ببحر الصين الجنوبي الغني بالطاقة والذي تمر عبره تجارة عالمية تصل قيمتها إلى 3.4 تريليون دولار سنويا، وتقول الصين إن لها حق السيادة على أجزاء كبيرة من هذا البحر الذي تتنازع السيادة على أجزاء منه دول أخرى، منها ماليزيا والفلبين وتايوان وفيتنام.

وأعرب المراقبون عن خشيتهم من أن تدفع الرسوم الجمركية الجديدة الصين بعيدا عن طاولة المفاوضات، لكنهم يرون أن التهديد بالرسوم الجمركية الجديدة يبقى مختلفا عن فرضها فعلا وربما يعني عدم فرضها إذا ما حققت المفاوضات تقدما جيدا.

ويشير المراقبون أيضا إلى أن واشنطن وبكين لم تغلقا باب المفاوضات بل اتفقتا على استئنافها خلال سبتمبر المقبل في واشنطن وهو ما يعني أن الأحداث والمواقف والتطورات خلال الأسابيع المتبقية من أغسطس الجاري، سوف تعني الكثير بالنسبة لمستقبل العلاقات التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم.