تشير تقديرات خبراء الاقتصاد والمال إلى أن اقتصاد قطر من أكثر الاقتصاديات الآمنة، حيث نجح منذ سنوات في تنويع مصادر الدخل دون الاعتماد الكلي على الإيرادات النفطية التي تمثل حسب التقديرات الأولية الصادرة عن وزارة المالية 48.7% من إجمالي الإيرادات بقيمة تفوق 161.5 مليار ريال، خلال العام الماضي.
أثر الهبوط الحاد في أسعار البترول منذ يونيو الماضي بنحو 60% حيث وصل سعر البرميل إلى دون 40 دولارا كثيرا على الدول المصدرة للنفط وخاصة دول منطقة الخليج، الأمر الذي انعكس على موازنة هذه الدول ودفع بوكالات التصنيف إلى إعادة النظر في تصنيف دول المنطقة إما بتثبيت أو بمراجعة التصنيف مع تخفيضه في وقت لاحق، ومن بين الدول التي شملتها إجراءات التصنيف مؤخرا قطر، حيث أكدت ستاندرد آند بورز تصنيف قطر الائتماني عند +AA/A-1 مع نظرة مستقبلية مستقرة، وهو ما يعني أن قطر تتمتع بجودة عالية ومخاطر ائتمانية منخفضة جدا، وهو ما يعادل تصنيف موديز عند AA2.
إلى ذلك، يقول الخبير المالي أحمد ماهر لـ لوسيل إن وكالات التصنيف العالمية هي الآن بصدد إعادة تصنيف كل الدول الخليجية في إطار إجراءات احترازية تجنبا لأي لوم قد يوجه نحو وكالات التصنيف التي استخلصت الدرس من الأزمة المالية في 2008، خاصة أن بعض الخبراء يؤكدون أن شركات التصنيف كانت من بين الأسباب المنتجة للأزمة المالية بعد منح الاقتصاد الأمريكي تصنيفات عالية.
في المقابل أشارت وكالة التصنيف الائتماني موديز أول أمس إلى أنها وضعت تصنيفها لقطر AA2 قيد المراجعة من أجل خفض محتمل، مضيفة أن الحكومة القطرية ستركز على مشروعات البنية التحتية النمو الحقيقي في السنوات الأربع القادمة.
ويشير الخبراء إلى أن نجاحات شركات التصنيف في العقدين الماضيين كانت محدودة وخاصة خلال الفترة المتراوحة بين 1996 و 2010، حيث عمدت هذه المؤسسات إلى منح الشركات العملاقة الأمريكية تصنيفات قبل أن تعلن لاحقا إفلاسها، عقب تأكيدات بأن الاقتصاد الأمريكي في أفضل حالاته ليفاجئ الجميع بالأزمة المالية في 2008 التي كبدت العالم خسائر مالية ضخمة لازالت آثارها إلى حد الآن. كما أن الوكالات لم تتنبأ في تلك الفترة بالأزمة الآسيوية في 1997، كما وجهت انتقادات لهذه لوكالات التصنيف بعد رفع تصنيف اليونان إثر التحاقها بالاتحاد الأوروبي رغم الضغوطات المالية التي تعاني منها أثينا.
ووجدت وكالات التصنيف نفسها عقب هذه الفترة في وضع لا تحسد عليه مما جعلها تسارع إلى أخذ احتياطات احترازية عند كل وقوع متغيرات اقتصادية، على سبيل المثال تراجع أسعار النفط وتسجيل عجز في موازنات بعض الدول المعتمدة كليا على الإيرادات النفطية.
وأضاف الخبير المالي أحمد ماهر أن مراجعة تصنيف أو احتمال التخفيض فيه لن يؤثر على قطر التي هي بصدد إنجاز مشاريع في البنية التحتية عملاقة والإعداد لاحتضان منافسات بطولة العالم 2022، إضافة إلى الدولة عمدت منذ سنوات إلى تنويع الاقتصاد وحسن استغلال الفوائض المالية المحققة خلال الأعوام الماضية وتابع أن قطر أخذت احتياطاتها منذ سنوات وضبطت رؤية استراتيجية للاقتصاد بحيث لا يعتمد بشكل كلي على النفط والغاز إضافة إلى المشاريع المستقبلية التي هي بصدد إعدادها.. ولابد من الإشارة كذلك إلى أن المملكة العربية السعودية لن تتأثر بدورها حتى وإن خفض تصنيفها نظرا لقيامها بمشاريع توسعية ضخمة.
وحافظت قطر على مستويات نموها الطبيعية كما أن التقارير الدولية تتوقع ارتفاع الناتج الإجمالي إلى 561 مليار ريال خلال العام الجاري بنسبة نمو 3.9% على أن يبلغ ذروته بحلول عام 2019 حيث من المنتظر أن يناهز 715 مليار ريال بنمو 4.5% كنتيجة طبيعية لتواصل مسيرة البناء والتشييد للبنية التحتية في قطر إضافة إلى مزيد تقديم الدعم للقطاعات غير النفطية كالسياحة والتصدير مع تحفيز انخراط دور القطاع الخاص الاستثماري في المشاريع الاقتصادية التنموية التي تقدم القيمة المضافة على المدى المتوسط والبعيد بما يتماشى مع رؤية قطر 2030 . وفي ذات السياق ذكرت مجلة ميد أن وزارة المالية السعودية أعلنت أنها ستصرف حوالي 180 مليار ريال أي ما يعادل 48 مليون دولار كدفعات متأخرة للمقاولين عن مشروعات تم تنفيذها خلال العام الماضي.
وبيّن الخبير المالي أحمد ماهر أن قطر لم تدخل مرحلة المخاطر الائتمانية نظرا لحجم الفوائض المالية المتراكمة في دول المنطقة والتنوع الاستثماري وخاصة في قطر التي تتراوح استثماراتها بين المحلي والعالمي، حيث تعتبر من أكبر الدول التي تستثمر في العالم وهو ما يوفر لها عوائد مالية ضخمة تؤمن لها استقرار الاقتصاد وتغطية تراجع أسعار النفط، إضافة إلى أن قطر على خلاف الدول الأخرى ليست مضطرة للجوء إلى سوق الدين العالمي.