مرّ عام على اندلاع الحرب بين قوات الجيش وقوات الدعم في السودان التي تسببت في تدمير عدد من أهم المنشآت الحيوية في هذا البلد العربي، وتوقف انتاج الذهب الذي يدر على خزانة الدولة 2.06 مليار دولار، وبنسبة تصل إلى 49% من إجمالي قيمة الصادرات السلعية للبلاد.
بيد ان بيانات كشفت عن تهريب الذهب إلى قاعدة روسية في اللاذقية بسوريا عبر 16 رحلة جوية من السودان قبل تفجر الصراع مباشرة.
وتوقعت تقارير دولية خسائر تلحق بخمس من دول جوار السودان تصل إلى 19.5 مليار دولار خلال فترة الحرب وقدر انخفاض المساحة المزروعة بنسبة 55 % من متوسط الخمس سنوات الماضية، والإحصاءات المتاحة تبين أن معدل الفقر في السودان عند 46.5%. كما أن معدل البطالة، وفق تقديرات التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2022، بلغ 19.8% في عام 2021.
بشأن معاناة المدنيين، قال مايكل دانفورد، منسق برنامج الأغذية العالمي للطوارئ في السودان امام مؤتمر عقد في نيروبي مؤخرا: نحن أمام كارثة، وأكثر ما أخشاه أنها تتجه إلى الأسوأ .
ومضى مايكل قائلا يعاني بالفعل حوالي 18 مليون شخص من الجوع الشديد الآن في السودان، وهو رقم مرشح للزيادة بأعداد كبيرة.ويحذر خبراء إغاثة من أن 220 ألف شخص في السودان معرضون للموت (جوعاً) في الأشهر المقبلة .
وفي ذات السياق، كشفت ورقة بحثية حول استكشاف أبعاد الصراع في السودان أعدها كل من هالة أبوشامة، خالد صديق، أوليفر كيروي، مصعب أحمد، بول دوروش لصالح المعهد الدولي لبحوث سياسات الغذاء وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي أنه: منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، عانى ملايين الأشخاص في السودان من فقدان سبل العيش وتدمير البنية التحتية وتعطيل الخدمات الأساسية. ومع استمرار الحرب، يواجه السودان أكبر أزمة نزوح في العالم مع نزوح 6.5 مليون نازح داخليا ودفع 1.7 مليون آخرين إلى الفرار للدول المجاورة في انعدام حاد في الأمن الغذائي، وارتفاع مستويات الفقر، وخسائر فادحة في الدخل والتوظيف والموارد الإنتاجية .
ورصدت هالة أبوشامة، مساعد باحث، نزوح 28 % من المزارعين في السودان بسبب الصراع وأصبحت 53 % من شركات تصنيع الأغذية لا تعمل.
وتوقع نموذج المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية انخفاضا بنسبة 48 % في الناتج المحلي الإجمالي.
وفي خضم الانكماش الكبير في الإنتاج الزراعي، صار الأمن الغذائي مريعا، كما قال فريدريك سفينسون، مسؤول تحليل ورسم خرائط الضعف في برنامج الأغذية العالمي. وأظهر أن الأسر الريفية في السودان أكثر عرضة لمواجهة انعدام الأمن الغذائي الحاد، حيث تقدر انخفاض المساحة المزروعة بنسبة 55 % من متوسط الخمس سنوات الماضية، وانخفاض إنتاج الذرة الرفيعة بنسبة 24 %، وانخفاض إنتاج الدخن بنسبة 50 %.
خسائر دول الجوار
وكتب مصعب أحمد، مساعد باحث أول: أن الاضطرابات في الاسواق واضحة بشكل خاص بين المزارعات والأسر التي تقودها النساء، مما أدى إلى تعقيدات كبيرة في سوق العمل وخسارة مذهلة في دخل 21 % من الأسر الريفية كنتيجة مباشرة للصراع .
وتوقع فيتو إنتيني من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي التداعيات الإقليمية للصراع من خلال مجموعة متنوعة من الآليات التحليلية، بما في ذلك تقييم على مستوى الاقتصاد. وباستخدام إطار عالمي للنمذجة، فصل إنتيني الآثار السلبية للصراع على الدول المجاورة، متوقعا خسائر مالية تصل إلى 9.6 مليار دولار في عام 2023 و9.9 مليار دولار في عام 2024 لخمس دول وهي السودان وجنوب السودان وتشاد ومصر وإثيوبيا.
وقدم خالد صديق من المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية نتائج نمذجة آثار الصراع على المؤشرات الاقتصادية والفقر وسوء التغذية، إلى جانب سيناريوهات لاستراتيجيات التعافي المحتملة للسودان.
أشار تحليل صديق إلى أنه بدون تدخل، يمكن أن يصيب الفقر ونقص التغذية ما يصل إلى 4 ملايين و2 مليون شخص، على التوالي، بحلول عام 2028. غير أن التدابير الرامية إلى استعادة الإنتاجية الزراعية إلى مستويات ما قبل الصراع يمكن أن تخفض هذه الأرقام إلى النصف. وعلاوة على ذلك، تبين أن استئناف المعونة الخارجية، الذي تجسد في تحويلات نقدية افتراضية قدرها مليار دولار.
اختلال الميزان التجاري
وتكشف بيانات البنك المركزي السوداني، لعام 2021، إلى أن قيمة التجارة الخارجية بلغت 13.6 مليار دولار، منها 4.2 مليار دولار للصادرات السلعية، بينما الواردات السلعية بلغت 9.4 مليار دولار، وبذلك يصل العجز في الميزان التجاري للسودان في عام 2021 إلى ما قيمته 5.13 مليار دولار.
ووفق بيانات رسمية للبنك، شكّل الذهب السلعة الأكثر أهمية في هيكل الصادرات السلعية السودانية، بقيمة 2.06 مليار دولار، وبنسبة تصل إلى 49% من إجمالي قيمة الصادرات السلعية للبلاد.
والناتج المحلي الإجمالي للسودان بلغ في نهاية عام 2021، حوالي 34.3 مليار دولار، وفق تقديرات البنك الدولي، كما أن معدل النمو الاقتصادي بلغ 0.3% في نهاية 2022، وفق تقديرات البنك المركزي بالسودان، ومن شأن تصاعد الصراع المسلح أن يدفع الناتج المحلي الإجمالي للتراجع من حيث القيمة ومعدلات النمو.
وهنا ستكون النتيجة الحتمية، زيادة معدلات الفقر والبطالة، فالإحصاءات المتاحة تبين أن معدل الفقر في السودان عند 46.5%. كما أن معدل البطالة، وفق تقديرات التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2022، بلغ 19.8% في عام 2021.
الصراع على الذهب
وكشف تحقيق لوكالة رويترز أن مجموعة الجنيد التي تعمل في التنقيب عن الذهب في السودان والمملوكة لقائد قوات الدعم السريع تجاوزت في بعض الأحيان قيود البنك المركزي على صادرات الذهب وفي مرات أُخرى باعتها للبنك المركزي بسعر تفضيلي.
ووفق تحقيق لوكالة غلوبال وتنس فهناك شركتان تعملان واجهة للحوالات المالية التي تتلقاها وترسلها قوات الدعم السريع، شركة جي إي كي للتكنولوجيا والأمن ومقرها السودان، وشركة ترديف للتجارة العامة والتي يديرها القوني حمدان دقلو شقيق حميدتي.
كما تظهر الأوراق الائتمانية الخاصة بشركة ترديف تسلمها 11 مليون دولار من حساب قوات الدعم على أربع دفعات بين أبريل ويوليو 2019.
وعليه تؤكد التسريبات أن غرض شركة ترديف هو توفير غطاء تجاري لتحويل الأموال لقوات الدعم السريع، بينما تستخدم شركة جي إي كي الحوالات المالية لتأمين المشتريات العسكرية والأمنية اللازمة.
وقد فتح إحكام قبضة حميدتي على الذهب السوداني له الأبواب دوليًا ليدخل لعبة المصالح الإقليمية إذ كشفت بيانات اطلعت عليها شبكة سي إن إن عن تهريب الذهب إلى سوريا عبر طائرات شحن روسية في رحلات متعددة وصلت إلى مالا يقل عن 16 رحلة جوية من السودان إلى اللاذقية في عامي 2021 و2022.
جملة إنتاج الذهب
وارتفع إنتاج السودان من الذهب بـمناطق إنتاج شملت 12 ولاية خلال أعوام (2015-2016-2017) بنسبة 20% من 73,4 طن إلى 93,4 طن، وكشف تقرير أداء وزارة المعادن للنصف الأول من العام الماضي 2018 أن إنتاج الذهب خلال النصف الأول من العام بلغ 63 طنا اشترى بنك السودان منها ثمانية أطنان، وبلغ صادر الشركات 1,4 طن، لتصبح جملة صادرات الذهب 10,7 أطن بقيمة 422.5 مليون دولار، وكشف التقرير نصف السنوي ذاته أن ما فُقِد بين الذهب المُنتَج والمُصدَّر والمُصنَّع والمُخزَّن بلغ 48,8 طن بنسبة وصلت إلى 77% لفاقد الذهب بين منطقة الإنتاج وبنك السودان كمشترٍ، في وقت يُمثِّل فيه صادر الذهب نسبة 37% من إجمالي صادرات السودان بالكامل خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة حسب تقرير وزارة المعادن المذكور أعلاه.
ويقول الباحث الدكتور محمد صديق لـ لوسيل، في ظل الصراع المسلح، سيكون الذهب هو العنصر الذي سيتأثر بشكل كبير سلبيا، لعدم توفر الأجواء الأمنية المطلوبة للعمل في استخراجه، أو نقله، أو تصديره، فضلا عن أن عوائد صادرات الذهب ستكون محل نزاع: هل ستعود للبلاد لتعوض عجزها من النقد الأجنبي؟ أم سيحتفظ بها خارج البلاد؟ وبذلك تكون السودان في ورطة أكبر بالنسبة لمواردها المحدودة من النقد الأجنبي .