تواصل لوسيل في الحلقة الثانية من ملف (الطريق نحو البيت الأبيض)، محاولة فهم الانتخابات الأمريكية وتداعياتها على المنطقة ومعرفة ما إذا كان سكان المنطقة يتخوفون بالفعل من فوز ترامب وما هي أبرز التحديات الاقتصادية التي تواجه الفائز الجديد.
وبانتهاء مساء الغد تطوى صفحة مثيرة للجدل ومليئة بالأحداث في تاريخ الانتخابات الأمريكية، فهي المرة الأولى التي يأخذ فيها السباق نحو البيت الأبيض هذا الزخم والصدى على طول الكرة الأرضية وعرضها، في موسم انتخابي مليء بتصريحات وتراشقات المرشحين.
تحديات كثيرة تواجه الاقتصاد العالمي والسياسة الدولية مصحوبة بتخوف كبير من مواطني الشرق الأوسط خاصة بعد تصريحات المرشح الجمهوري دونالد ترامب المثيرة للجدل فيما يخص علاقة أمريكا بدول الشرق الأوسط، ومعروف أن دول الخليج تربطها مصالح إستراتيجية مع أمريكا امتدت لعقود من الزمان.
لوسيل تطرح في هذا الجزء من ملف الانتخابات الأمريكية عدة محاور مثل قضايا المنطقة في الانتخابات، التخوف من فوز ترامب وكيف ينظر الناس لهذه الانتخابات، ومحاولة معرفة ما إذا كانت هذه الانتخابات ستؤثر على التعاون الاقتصادي بين أمريكا ودول المنطقة.
تساؤلات كثيرة وضعتها لوسيل على طاولة النقاش أمام الخبراء من مختلف الدول في محاولة منها لإيجاد ما يشبع فضول القارئ حول الفهم الصحيح للانتخابات الأمريكية.
قضايا المنطقة في الانتخابات
المتابع للمشهد الانتخابي الأمريكي يلاحظ اختلافا حول مدى مناقشة قضايا منطقة الشرق الأوسط في الانتخابات، خاصة أن العالم ينظر لأمريكا باعتبارها القوة الكبرى المنوط بها لعب دور يليق بحجمها في العالم، على الرغم من أن البعض يرى أن الدور الأمريكي في المنطقة بدأ في التراجع مؤخراً. حسب وجهة نظر الدكتور محمود حداد أستاذ الاقتصاد بجامعة تينسي الأمريكية فإن قضايا الشرق الأوسط في الانتخابات الأمريكية تتم مناقشتها فقط عندما يتحدث المرشحون عن تنظيم الدولة وتأثيره على صياغة السياسات في الشرق الأوسط، فالمرشحون حسب رأي حداد يتجنبون محاولة مناقشة قضايا المنطقة بسبب حساسيتها.
بجانب حساسية الملف التي أشير إليها سابقاً إلا أن الوضع في المنطقة خاصة بعدما حدث من التدخل الأمريكي في العراق وأفغانستان والدعوات القوية المناهضة بعدم إرسال قوات أمريكية، كل هذه الأسباب يراها الخبراء أنها جعلت صانعي القرار، لا سيما مرشحي الرئاسة، يتجنبون الخوض في قضايا المنطقة بشكل عام في ظل التوتر الأمريكي الروسي والأزمة السورية المتصاعدة.
الدكتور عثمان محمد الذوادي، أستاذ الاقتصاد بجامعة قطر، يشير للتغير الجذري الكبير في الانتخابات الأمريكية الذي أحدثه المرشح الديمقراطي بيرني ساندرز الذي لم يحصل على ترشيح الحزب، إلا أنه ترك بصمة مهمة على مختلف الأصعدة من أهمها تناول القضايا العربية وعلى رأسها قضية فلسطين.
فلأول مرة يقوم مرشح بالتصريح بأن على أمريكا أن تقف على الحياد وتحترم وجهة نظر الجانب الفلسطيني وتحرص على سلامتهم بنفس الاهتمام الذي توليه للجانب الإسرائيلي.
وبالمحصلة يمكننا القول بأنه على دول الخليج أن تراجع حساباتها في إطار استعدادها للقادم الجديد، بالنظر لسياسة كل مرشح، وكما يقول الدكتور يوسف داؤود، رئيس قسم اقتصاديات التنمية بمعهد الدوحة للدراسات العليا، فإن رؤية كل مرشح تختلف عن الآخر ففي الوقت الذي يريد فيه ترامب من دول الخليج أن تتحمل تكاليف اقتطاع جزء من سوريا كمنطقة آمنة، وتساهم في تكاليف حمايته.
في المقابل نجد أن هيلاري كلينتون تزايد على حماية مصالح إسرائيل ولكنها لا تذهب بعيداً في جعل القدس عاصمة لإسرائيل.
وعليه يضع الدكتور داؤود الشكل العام لسياسة المرشحين في المنطقة وهي أن كلاهما يقف مع المملكة العربية السعودية ضد إيران مع فارق بسيط وهو أن ترامب لا يؤيد صفقة أوباما مع إيران.
وكلا الطرفين يريدان الضغط على السعودية وبعض دول المنطقة فيما يخص قضايا الأطراف المتقاتلة في سوريا والعراق.
إذن تختلف الآراء فيما يتعلق بسياسة كلا المرشحين في المنطقة، فالدكتور الذوادي يرى الصوت الأبرز في هذه الحملات هو صوت دونالد ترامب الذي ذكر دول الخليج في سياق حديثه عن حلفاء أمريكا الذين تقدم لهم المعونة العسكرية والدعم السياسي، ودعا إلى عدم الاستمرار بهذا النهج إلا في حالة دفعت هذه الدول مبالغ أكبر لأمريكا.
وبشكل عام يرى الخبير الاقتصادي السعودي عبد الرحمن القبيعي أن مناقشة السياسة الخارجية في حملة الانتخابات الرئاسية الأمريكية مجرد مسألة سياسة، لأن السياسة الخارجية وخاصة القضايا المتعلقة بالشرق الأوسط، ستشكّل موضع تركيز كبير للإدارة القادمة، بغضّ النظر عمن يُنتخب رئيساً للبلاد.
وسيلعب حلفاء الولايات المتحدة الدائمون في المنطقة دوراً رئيسياً وإستراتيجياً في تنفيذ السياسة الخارجية الأمريكية.
وستؤثّر الآراء والمقترحات المحددة التي تقدّم بها المرشحون الرئاسيون على المنطقة بطرق مختلفة، مما يجعل نتيجة الانتخابات الرئاسية الأمريكية للعام 2016 بالغة الأهمية لمنطقة الشرق الأوسط عموماً، ودول مجلس التعاون الخليجي على وجه الخصوص.
تخوف من فوز ترامب
السؤال الذي يجب أن يعاد طرحه مراراً وتكراراً هو، لماذا هذا الشعور بالقلق تجاه فوز ترامب، فمنذ أن أطلق ترامب وهو القادم من ساحة الاقتصاد حملته الانتخابية حتى بدأ في إطلاق التصريحات التي يرى البعض أنها تستفز مواطني الشرق الأوسط والأقليات المسلمة والعرقية في أمريكا نفسها، هذا الواقع أفرز حالة من الترقب والحذر وسط مواطني الشرق الأوسط لما يجري بالداخل الأمريكي.
سؤال يجيب عنه الدكتور يوسف داؤود قائلاً: إن تصريحات ترامب هي ما يثير القلق وسط مواطني الشرق الأوسط وهي معادية للإسلام والمسلمين، أكثر من ذلك يرفع الدكتور داؤود درجة الخوف والحذر من أن تدفع هذه التصريحات شباب التنظيمات المتطرفة في المنطقة، خاصة فيما يخص تصريحات ترامب بتحويل القدس عاصمة لإسرائيل، ومنع المسلمين من دخول أمريكا والاستيلاء على نفط العراق، كل هذا يجعل التخوف من فوز ترامب مبرراً وليس وهمياً.
ويقول الدكتور محمد إبراهيم العيسى بأن السياسات الخارجية الأمريكية تحدد من قِبَل العديد من الدوائر الانتخابية وليس من قبَل شخص واحد، بالتالي لا يجب أن يخشى الناس في الشرق الأوسط فوز ترامب ووصوله للبيت الأبيض.
أما فيما يخص خطابه الانتخابي الحالي فهو فقط يستخدم كأداة مناورة سياسية لكسب الأصوات.
ووصف الدكتور العيسى تصريحات ترامب ضد المسلمين ودول الخليج بالمستفزة، ويرى أن ما قاله ترامب يعكس السياسة الحقيقية الفعلية للحكومة الأمريكية التي لا يصرح بها السياسيون علناً خاصة التي تنظر لدول الخليج باعتبارها مستودع أموال يجب استغلاله بشتى الطرق.
إلا أن الدكتور الذوادي يعزي هذه الحالة إلى الخوف من المجهول الذي يمثله ترامب، وحسب رأي الذوادي فإن ترامب لا يمثل الحزب الجمهوري التقليدي الذي تربطه علاقات قوية جداً بالخليج، ولعل المفارقة أنها قد تكون المرة الأولى التي يكون فيها مرشح الحزب الديمقراطي هو الأفضل للخليج.
ففي العادة يكون المرشح الجمهوري هو الأقرب لتحقيق مصالح الخليج ويتفهم وجهة نظرهم.
وتوقع الاقتصادي عبد الرحمن القبيعي أن تحدث تغييرات جذرية في خريطة التحالفات الإقليمية، وذلك يتضح للأسف في تصريحات ترامب العدائية للإسلام والدول المنتجة للنفط، الأمر الذي سيؤثر على العلاقات الاقتصادية والسياسية بمنطقة الشرق الأوسط.
استطلاعات الرأي
ما يلفت النظر لبعض الدراسات التي أجريت مؤخراً حول مدى اهتمام مواطني الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تجاه سباق الرئاسة الأمريكي، وإلى أي مدى يهتم الناس بنتيجة هذه الانتخابات، حيث أظهر آخر استطلاع للرأي شمل نحو 17 دولة عربية عدم اكتراث هؤلاء المواطنين بمن سيفوز في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، حيث انقسم المستطلعون حول قضايا المنطقة مثل الحرب في سوريا والاتفاق النووي الإيراني.
وفي الاستطلاع الذي نفذته صحيفة (عرب نيوز) السعودية بالاشتراك مع شركة (يوغوف) الدولية للأبحاث ببريطانيا أكتوبر الماضي، عبر غالبية المواطنين العرب، شملهم استطلاع للرأي، عن رفضها التصويت لأي من المرشحين الأمريكيين إلى الانتخابات الرئاسية في حال أتيح لهم الاقتراع في الولايات المتحدة، ولو أن الديمقراطية هيلاري كلينتون حظيت بتأييد أكبر بكثير من الجمهوري دونالد ترامب، حيث قال 44% من الذين طرح عليهم السؤال إنهم يصوتون لكلينتون بينما اختار 9% فقط منهم التصويت لصالح ترامب.
تحديات اقتصادية
تحديات كثيرة تواجه كلا المرشحين فمن يصل إلى قلعة (الكابيتال هول) سيواجه أهم تحدٍّ اقتصادي له، حسب رأي الدكتور حداد، الأستاذ بجامعة تينسي الأمريكية، ألا وهو تحدي الحفاظ على النمو الاقتصادي المستدام وعلى المدى الطويل، بجانب منع حدوث انهيار اقتصادي مثلما حدث في الأزمة المالية في 2008.
وعلى الرئيس الجديد أن يولي قضية البطالة اهتماما وثيقا، وبغض النظر عن هوية المرشح يرى حداد أن قضية البطالة ستكون من أولويات السياسات الاقتصادية المستقبلية له بجانب قضايا الدين العام وعجز الموازنة اللذين يعتمدان على السياسات الاقتصادية وسياسات التجارة والضرائب لكل مرشح.
وبالتالي نجد أن كل مرشح يرغب في خفض الدين العام والحصول على ميزانية متوازنة، وزيادة الإنفاق الحكومي، مما سيؤدي إلى سياسة اقتصادية توسعية.
إذن هناك منطق واحد يحكم كلا المرشحين في نظر الدكتور يوسف داؤود وهو تحقيق النمو الاقتصادي، ليزيد من الرفاه للأمريكيين، ولكنهما يختلفان في كيفية تحقيق ذلك.
أما فيما يخص الخليج فكلاهما يريد استيراد النفط الضروري لنمو الاقتصاد الأمريكي وكلاهما يريد أسواق الخليج لصادراتهم.
ويشخص الدكتور محمد إبراهيم العيسى، أستاذ القانون الدولي مشكلة الاقتصاد الأمريكي بأنه أصبح مفضوحاً ومكشوفاً منذ ما حدث في 2008 خلال أزمة الرهن العقاري، بالتالي تبقى المشكلة بأن أسلوبها الاقتصادي استُخدم في أغلب دول العالم على أنه النموذج الأفضل.
بالتالي يخلص العيسى إلى أن الحقيقة المرة هي أن اقتصاديات العالم كلها هشة، والحلول التي ستستخدم هي الحلول التي سوف تنتجها أمريكا باعتبارها هي المنشئة لهذه النظريات الاقتصادية الحديثة.
ويضيف أن أمريكا بذكاء قامت بإشراك كل دول العالم في مشكلتها ولسان حالها يقول إن انهار اقتصادنا سوف تنهار كل اقتصاديات دول العالم نظرا لارتباطهم بها، لذا ساعدونا لأننا في مركب واحد.
لذا فإن التحديات التي تواجه الفائز هي نفسها التي واجهها الرئيس السابق، وبصفة عامة فإن اقتصادهم وإن كان يعاني فهو أفضل حالاً من اقتصاديات دول أخرى كبرى.
إلا أن الدكتور عثمان محمد الذوادي، الأستاذ بجامعة قطر يذهب في اتجاه آخر، فيرى أن التحدي أمام أمريكا هو المواجهة مع روسيا وما ينتج عن هذا الأمر من تبعات وتغيير في خريطة النفوذ العالمي، كل ذلك سيمثل التحدي الأكبر أمام أمريكا.
ومن أبرز الملفات التي تواجه المرشحين، حسب رأي عبد الرحمن القبيعي، هي تحدي البطالة والعمل على خلق فرص جديدة وبناء الأجور، أيضا محاولة تدعيم الصادرات الأمريكية وحل مشكلة الضرائب، فضلا عن محاولة الحد من التلاعب بأسعار العملات بالدول العظمى المؤثرة على الدولار الأمريكي.
إذن كيف سيكون وضع الاقتصاد الأمريكي بعد الانتخابات؟، في هذا الاتجاه يقول الدكتور حداد: تاريخياً نجد أن الحزبين الجمهوري والديمقراطي يحاولان تحقيق الأهداف والغايات التي تتمثل في التوظيف الكامل واستقرار الأسعار بالرغم من أن نهج كل حزب لتحقيق هذه الأهداف مختلف.
ويعتقد الحزب الجمهوري مثلاً في جانب العرض من الاقتصاد أنه يجب أن تقدم حوافز اقتصادية للشركات والمدخرين، فيما يرى الحزب الديمقراطي أنه يمكنه تحقيق نفس الأهداف من خلال تخصيص حوافز اقتصادية للأفراد أصحاب الدخل المخفض في المجتمع.
لذلك يرى حداد أنه بغض النظر عمن سيفوز في الانتخابات فإن الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة سينمو بمعدل 2% ولا يهم من يكون في البيت الأبيض.
لأن السياسات الاقتصادية الأمريكية هي سياسات طويلة المدى وليست قصيرة المدى، بالتالي أتوقع أن يتم الحفاظ على سياسة باراك أوباما في المستقبل القريب.
وأعتقد أن عام الانتخابات الأمريكية يجلب معه شعورا بعدم اليقين ومخاطر الاستثمار والعديد من رجال الأعمال يترددون في اتخاذ القرارات التي تؤثر على المدى الطويل، حالياً هم يلعبون لعبة (لننتظر ونرى).
أما الدكتور إبراهيم العيسى فيرى أنه من الصعب تصور مستقبل واضح للاقتصاد في مثل هذه الفترة التي تواجه الكثير من الزعزعة وعدم الاستقرار السياسي، لكن الجوانب الاقتصادية تعتبر ذات أهمية قصوى وأولوية في السياسة الأمريكية.
لذا في حال فوز أحد المرشحين، فهو معنيّ ومضطر لاتخاذ بعض القرارات الاقتصادية التي وعد بها في حملته الانتخابية من أجل إصلاح الاقتصاد أو تطويره، لكن أثرها لن يكون واضحاً.
ويعتبر الدكتور الذوادي أن هيلاري المرشحة المفضلة للاقتصاديين حسب استطلاع قامت به جريدة الواشنطن بوست من شهرين.
في نظرهم كلينتون (55%) هي الأجدر على قيادة البلد اقتصاديا.
بينما حل ترامب في المرتبة الثالثة (14%) بعد مرشح الليبتيرين جيري جونسن (15%)، لذا من المتوقع أن يكون الوضع أفضل للاقتصاد الأمريكي في حالة فوز كلينتون، لأنها تمثل استمرارا لسياسات الحزب الديمقراطي.
(الانتخابات الأمريكية من أهم الأحداث السياسية التي تؤثر على الجوانب الاقتصادية والتجارية وأسعار العملات)، هكذا قال القبيعي لـ لوسيل ، حيث يرى أن تصريحات كل مرشح تؤثر على حياة الاقتصاد سواء مع أو ضد السياسة الحالية، فنجد ترامب مثلا يصرح بعدائه للمسلمين وهذا قد يؤدي إلى سحب الاستثمارات وإيقاف التعامل بالبورصة الأمريكية وهذا نوع من زعزعة الاقتصاد. وبحسب الإحصائية التي نشرتها واشنطن بوست قد يتحول الاقتصاد إلى ركود وانخفاض بمعدل 0.3 وهو أعلى انخفاض قد يحصل.
وعلى النقيض هيلاري كلينتون لا تعتبر في مثل حدة ترامب في خطط الاقتصاد، فهي تحاول أن تبني أرضية من التفاهم مع الدول الأخرى مع مراعاة متطلبات السوق الأمريكية وكل هذا ينطوي على الأفراد وعلى حركة البورصة الأمريكية.
