يبدو أن حرب الأسعار في أسواق النفط العالمية باتت على المكشوف بين الأطراف المتصارعة، بعدما تأكد للجميع أن منظمة البلدان المصدرة للنفط أوبك ترفض أن يهددها أحد - مهما كان في عرش النفط الأحفوري كمصدر رئيسي لتوفير الطاقة في العالم، وتؤكد كثيرا أنها مستعدة لتكبد المزيد من الخسائر في سبيل تعزيز هيمنة نفطها في الأسواق العالمية.
وفي المقابل فالولايات المتحدة الأمريكية، التي اكتشفت النفط الصخري في أراضيها، قررت أن تعتمد جزئيًا على نفطها، وتستخرجه لتأمين أكبر جزء من الطاقة التي تحتاج لها، فوصل إنتاجها منه إلى 8.6 مليون برميل يوميًا، وهذا الجهد الأمريكي لا يروق لدول أوبك ، التي رأت أن تحارب ظهور هذا النوع من النفط في أسواق الطاقة العالمية، حتى يفقد نفطها الأحفوري مكانته التي يتمتع بها، فقررت أن تضخ كميات كبيرة من النفط في الأسواق، بل وقبلت بتراجع الأسعار إلى 66 دولارًا للبرميل، لسد الطريق أمام شركات النفط الصخري، خاصة أن كلفة برميل الصخري تتراوح بين 70 و80 دولارًا، وهو ما عزز خسائر هذه الشركات، التي قدرت بقيمة 40 مليار دولار حتى الآن، ما يجبرها على التوقف القسري آجلًا أو عاجلًا .
مجلة لوزين نوفيل الاقتصادية الفرنسية نشرت مقالًا للخبير الاقتصادي لودوفيك دوبان ، تحت عنوان الولايات المتحدة تتجاوز السعودية وتصبح أكبر منتج للنفط ، يعلق فيه على إحصائية بريتش بتروليوم الأخيرة، ومتسائلًا عن مدى استعداد الولايات المتحدة للاستغناء عن استيراد النفط الخليجي، وهل سيتبع ذلك تغييرًا جذريًا في السياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط أم لا؟
يقول دوبان أن البعض يتعمد الترويج لقرب استغناء الولايات المتحدة عن استيراد النفط من دول الخليج، وأنه سيؤثر على الخليج والسعودية بالأخص ودول المنطقة، ويقولون إن اقتصادات هذه الدول سيتعرض للهبوط بشكل حاد، لأنها تعتمد على النفط بشكل أساسي.
وينفي دوبان ذلك بقوله إن بناء دول الخليج علاقات متينة مع الصين، التي تنافس أمريكا اقتصاديًا، لن يريح الولايات المتحدة، لذلك فإنه توقع أن تتمسك الولايات المتحدة بعلاقات قوية معها، مشيرًا إلى أن تصريحات أوباما بالاكتفاء الذاتي من النفط يتم تداولها في أمريكا منذ سبعينيات القرن العشرين، خلال حكم الرئيسين الأمريكيين كارتر وريجان ولم يتحقق منها شيء.
ويشير دوبان إلى قدرة الملكة العربية السعودية على زيادة إنتاجها النفطي وتحكمها في حركة أسعار السوق العالمية بنسبة كبيرة، ومضيفًا أن دول الخليج لا تقتصر على بيع نفطها للولايات المتحدة فقط، بل يصل النفط لخليجي إلى كل الأسواق العالمية، خاصة دول شرق آسيا التي تنتظر دورها لزيادة الطلب على النفط الخليجي، وبالذات الصين وكوريا الجنوبية.
وأضاف أن النفط الخليجي ليس مجرد سلعة، إنما هو صناعة ضخمة تقوم على رؤوس أموال هائلة، وتديره وتسوقه مجموعة من الشركات الأمريكية التي تؤثر في الاقتصاد الدولي وتتأثر به. كما أن الإدارة الأمريكية لا تبني علاقاتها الإستراتيجية مع دول الشرق الأوسط على أساس شراء البترول فقط، لكنها تصمم علاقاتها على أساس المصالح الجيوسياسية للولايات المتحدة.
وأظهرت دراسة أجرتها شركة (IHS) المتخصصة في أبحاث الطاقة أن حقول النفط الصخري في كل من الجزائر وروسيا والأرجنتين تضم احتياطات أكبر من تلك الموجودة في تكساس بالولايات المتحدة والتي يروج الأمريكيون لأنها ستؤدي إلى طفرة في إنتاجهم من النفط.
وبحسب الدراسة فإن حقول الصخر الزيتي في 23 منطقة واعدة خارج الولايات المتحدة الأمريكية وكندا تضم احتياطيًا نفطيًا هائلًا يتجاوز 175 مليار برميل من الذهب الأسود، بينما لدى أمريكا الشمالية بأكملها (الولايات المتحدة وكندا) نحو 40 مليار برميل نفط فقط في حقول الصخر الزيتي.
وبحسب هذه البيانات فإن لدى دول العالم الأخرى أكثر من 4 أضعاف ما لدى الأمريكيين من احتياطيات الصخر الزيتي. نتيجة التكلفة المرتفعة جدًا في استخراج النفط الصخري، مقارنة باستخراج النفط التقليدي، إضافة إلى انخفاض الأسعار، بشكل يصبح معه إنتاج النفط الصخري الأمريكي غير مجدٍ اقتصاديًا، الأمر الذي يجعل الشركات الأمريكية تتردد كثيرًا في الاستثمار في هذا المجال، خاصة مع التقلبات الأخيرة لسوق النفط العالمية.
وأشار تقرير الإحصاءات الأمريكية إلى أن إجمالي إنتاج النفط الصخري بنهاية أكتوبر الماضي بلغ 5.21 مليون برميل يوميا ليسجل تراجعا قدره 80 ألف برميل مقارنة بالإنتاج في نهاية سبتمبر الماضي الذي سجل 5.92 مليون برميل يوميا.