تذبذب أسعار النفط يشبه ما حدث بالستينيات والتسعينيات.. الاقتصادي الكويتي السعدون لـ"لوسيل":

التوسع بالنفقات العامة دفع بوجود خلل مالي هيكلي باقتصاديات الخليج

لوسيل

حوار عمر القضاه

أكد رئيس مركز الشال الخبير الاقتصادي الكويتي جاسم السعدون أن أسعار النفط بالأسواق العالمية بالوقت الحاضر تشبه ما حدث خلال ستينيات وتسعينيات القرن الماضي، الأمر الذي أثر بشكل مباشر على اقتصاديات الخليج العربي، لافتا إلى أن دول الخليج لم تستفد من تلك التجارب السابقة، إذ بدأت بالتوسع في النفقات العامة خلال فترات ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية مما جعل هناك خللا ماليا هيكليا.

وأكد السعدون خلال حوار مع لوسيل أن استمرار دول الخليج بالأساليب التقليدية في اعتماد الميزانية العامة سيوصلها إلى ما ذهب إليه تقرير صندوق النقد الدولي بأنها ستفقد كامل احتياطيات النفط بحلول العام 2034، لافتا إلى أن هناك فرصة أمام دول الخليج للتوجه إلى النظام التعليمي والتوجه إلى تنويع اقتصادياتها والتفكير الجدي باستثمار المادة الخام للنفط وتصنيعها بما يشكل قيمة مضافة حقيقية لاقتصاديات دول الخليج.

وأكد أن دولة قطر حققت من خلال الأرقام نهضة حقيقية، إذ زادت مساهمتها في الناتج الإجمالي لدول مجلس التعاون الخليجي من 6.6% قبل عشر سنوات إلى نحو 12%، مشيرا إلى أن تقدم قطر بتلك الأرقام بالإضافة إلى أن نمو مستوى التعليم يؤكد أن قطر استطاعت تشكيل مشروع رائد بمختلف النواحي.

وأكد أن الصين قادمة كأكبر اقتصاد في العالم، إذ إن نسبة النمو في الاقتصاد الصيني بنحو 6% سنويا فيما ينمو الاقتصاد الأمريكي 2 إلى 3%، لافتا إلى أن مشكلة الحرب التجارية الحالية أن الصين أصبحت مصنع العالم السلعي بالإضافة إلى أنها مشتبكة مع العالم بكافة القطاعات ومنها السياحة، إذ يبلغ عدد السياح الصينيين نحو 150 مليون سائح.. فيما يلي نص الحوار:

- النفط أحد مصادر الطاقة المهمة عالميا، شهدنا خلال العقود الماضية تذبذبا بالأسعار بين انخفاض حاد وارتفاع جنوني.. كيف تنظر إلى النفط خلال الفترة الحالية؟

النفط حاليا ليس بعيدا عما حدث خلال ستينيات وتسعينيات القرن الماضي، إذ إن النفط مر بالعديد من السيناريوهات ما بين الانخفاض والارتفاع مما أثر بشكل مباشر على اقتصاديات الخليج العربي إلا أنها على ما يبدو ما زالت لا تستفيد من التجارب السابقة، إذ إن ارتفاع أسعار النفط في بداية العقد الثاني من الألفية الحالية بدأت دول الخليج بالتوسع في النفقات العامة مما جعل هناك خللا ماليا هيكليا.

كما أن الإنفاق غير الموجه أدى إلى قتل تنافسية اقتصاديات دول الخليج، إذ إنه أصبحت القدرة على إنتاج خدمة أو سلعة معينة مكلفة جدا لا تستطيع المنافسة في الأسواق المحلية أو الخارجية، وبالنظر إلى متوسط سعر برميل النفط الكويتي على سبيل المثال كان في العام 2011 نحو 108.6 دولار فيما بلغ متوسط سعره العام الماضي 64 دولارا ما يعني انخفاضه بنحو 40% فيما ارتفعت النفقات العامة للدولة بنحو 30%.

- إلى أين ستؤدي هذه النفقات غير المستندة على الإيرادات النفطية؟

حقيقة أن هذه الأساليب في اعتماد الميزانية العامة ستذهب باقتصاديات الدول الخليجية إلى ما ذهب تقرير صندوق النقد الدولي بأنه قد تفقد دول الخليج بحلول العام 2034 كامل احتياطيات النفط لديها، كما أن الدول اعتمدت على القروض في مشاريعها النفطية قد تتعرض إلى تخفيض تصنيفها الائتماني.

- هل تعتقد أن عصر النفط قارب على الانتهاء؟

لا يوجد شيء يتعرض إلى النهاية الكاملة وإنما يفقد جزءا من فائدته النسبية، إذ تقل إيراداته مع مرور السنوات، إذ إنه من المتوقع خلال العقود الثلاثة المقبلة ألا تكفي إيرادات النفط الرواتب والأجور في الميزانية العامة مما يشكل تحديا رئيسيا أمام اقتصاديات دول الخليج العربي.

- برأيك ما هي الضغوط التي تتعرض لها أسعار النفط في الأسواق العالمية؟

هناك ثلاثة ضغوط تتعرض لها أسعار النفط، أولها الضغوط التي تأتي من مصادر الطاقة غير التقلدية ومنها قطاع الصخر الزيتي، وثانيها التقنيات الحديثة في العديد من المجالات مثل قطاع النقل الذي بات يعتمد على الطاقة الكهربائية بشكل واضح وبنسب عالية، وثالثها البيئة، إذ إن هناك هجمة شرسة من قبل منظمات حماية البيئة على الوقود الأحفوري.

تلك الضغوط الثلاثة تعطي مؤشرات حقيقية أن عصر النفط والوقود الأحفوري إلى نهاية بعد عقد أو عقدين أو ثلاثة أو أربعة وليس ذلك المهم وإنما المهم أن أسعار النفط في انخفاض مستمر والنفقات العامة في تزايد مستمر مما يفرض خطرا حقيقيا على اقتصاديات الخليج.

- تحدثت عن خطر فقدان دول الخليج احتياطياتها من النفط خلال 14 عاما.. ما هي الآلية التي تمكِّن اقتصاديات الخليج من إنقاذ نفسها؟

بالرغم من أن الكلام كنا نتحدث فيه من بدايات التسعينيات من القرن الماضي أنه لا يمكن الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل، إذ شهدنا انخفاضا حادا بأسعار النفط خلال الستينيات ومن ثم خلال العام 1985 انخفض لأقل من 10 دولارات للبرميل وفي العام 1998 انخفض لأقل من 12 دولارا للبرميل.

تلك الأزمات والانخفاض بأسعار النفط لم تستفد منها دول الخليج بتنويع مصادر الدخل وفشلنا في معالجة تحديات الموازنة العامة والخلل المالي الهيكلي.

- تحدثت عن اقتصاديات الخليج وعدم قدرتها على التنوع بمصادر الدخل.. ما هي أنواع اقتصاديات دول العالم؟

هناك أنواع عديدة لاقتصاديات الدول، منها دول ذات عقل بلا موارد واستطاعت تحقيق نجاحات عديدة مثل سنغافورة واليابان وغيرها من الدول، ودول أخرى بعقل وموارد ونجحت ومنها الولايات المتحدة الأمريكية والصين لكن هناك دول بموارد بدون عقل فشلت فشلا ذريعا، منها فنزويلا التي تشكل نموذجا صارخا لذلك.

- هل ما زالت دول الخليج تمتلك الموارد التي تمكنها من تغيير إستراتيجياتها؟

نعم، ما زالت تمتلك الموارد التي تستطيع من خلالها التوجه إلى النظام التعليمي والتوجه إلى تنويع اقتصادياتها من خلال التفكير الجدي باستثمار المادة الخام للنفط وتصنيعها بما يشكل قيمة مضافة حقيقية لاقتصاديات دول الخليج، بالإضافة إلى تقليل الاعتماد على النفط كمصدر للنفقات العامة ومحاولة موازنة النفقات مع الإيرادات.

- هل يمكن تلخيص تلك الإجراءات التي يجب اتباعها من قِبَل دول الخليج؟

يجب أن نتسامى على خلافاتنا ونعمل على بناء اقتصاد موحد يعتمد على مواردنا لتوظيفها في إيجاد سوق واحد وخلق فرص العمل من خلال دعم مشاريع التنوع الاقتصادي، أرى أنه يجب توجيه الإيرادات المالية لصناعة الإنسان وصناعة منتوج خدمي نتميز به من خلال بعض الصناعات المرتبطة بالنفط الخام.

أعتقد أنه لابد أن نبتعد عن السياسة عندما يتعلق الأمر بالاقتصاد ونجعل هناك سوقا واحدا لا سيما في ظل وجود الموارد التي تمكنا من ذلك.

- هناك تخوف من قبل العالم بأن أزمة مالية عميقة ستدخل العالم خلال الفترة المقبلة؟

بالتأكيد فإن النمو الاقتصادي العالمي أقل بنحو 40% عما كان عليه قبل العام 2007، المقولات حول أزمة اقتصادية جديدة يعود ذلك لأي أسباب رئيسية حدثت ما بعد 2008 أولها نمت ديون دول العالم الخارجية إذ بلغت نحو 255 تريليون دولار في سبتمبر الماضي، لتشكل ديون العالم الخارجية ثلاثة أضعاف حجم الاقتصاد العالمي مما أدى إلى جعل جهاز المناعة لدى الاقتصاد العالمي هشا ضعيفا لا يستطيع مواجهة الأزمات.

أما السبب الثاني هو فقدان السياسات النقدية مرونتها، وثالثها عدم تجانس دول العالم، إذ إنه في أزمة 2008 اجتمعت دول العالم وبحثت عن الحلول بشكل موحد، لكن اليوم غالبية الدول تنغلق على ذاتها بالإضافة إلى البحث عن سياسات شعوبية.

كل تلك الأسباب جعلت فريقا من الخبراء يقولون إن هناك أزمة اقتصادية عالمية مثل 2008، ولكن أنا شخصيا لا أميل إلى وجود أزمة اقتصادية في الطريق إلى العالم وذلك لأن الأزمات التي يتحدث عنها الخبراء لن تحدث بالعادة، إذ تأتي الأزمة عادة بعد مرحلة هوس ونمو كبير يكون خلالها الجميع مغيبا ومطمئنا ويغامر بجميع أمواله.

وهناك العديد من المؤشرات التي تتحدث عن نمو موجب ضعيف على مستوى العالم، لكن في حال فوز ترامب بفترة رئاسية جديدة وما يتبعها من تصعيد من قبله مع بعض دول العالم فإنه من الممكن أن نشهد حالة من الركود في الأسواق العالمية.

- نتحدث عن الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية؟

الحرب التجارية بين الصين وأمريكا هي أنه لأول مرة بتاريخ العالم منذ عصور قديمة نشهد نشوء قوة عظمى في ظل وجود قوة عظمى أخرى دون وجود حرب، بالتالي ما هي وسيلة مواجهة هذه القوة؟ وعندما جاء الحكم الشعوبية وبما أن الثقل الاقتصادي ذاهب إلى الصين لابد من إجراءات لتأخيره وتعطيله فكانت هذه الحرب التجارية مع الصين.

- هل الصين قادمة كأكبر اقتصاد في العالم؟

حتما إن الاقتصاد الصيني قادم كأكبر اقتصاد في العالم، إذ إن نسبة النمو في الاقتصاد الصيني بنحو 6% سنويا فيما ينمو الاقتصاد الأمريكي من 2 إلى 3%، مشكلة هذه الحرب لا نعرف إلى أين ستصل بالعالم، كون الصين أصبحت مصنع العالم السلعي بالإضافة إلى أنها مشتبكة مع العالم بكافة القطاعات ومنها السياحة، إذ يبلغ عدد السياح الصينيين نحو 150 مليون سائح، بالتالي فإن استمرار الحرب سيؤدي إلى تأثر العديد من القطاعات.

- ما مصير هذه الحرب التجارية في حال فوز ترامب بولاية ثانية؟

قد يتم التخفيف من هذه النزعة خلال الفترة المقبلة كونه لا يرغب في ترك العالم في بؤس اقتصادي مع نهاية ولايته، لذلك هناك احتمالات أكبر لوجود نزاع أو نزعة لن تصل إلى تحطيم الأخريين.

- هل فوز ترامب سيؤدي إلى نزاع مسلح؟

النزاعات المسلحة المباشرة أصبحت غير موجودة ولكن نزاعات الوكالة قائمة وموجودة، لذلك لا أعتقد أن يكون هناك نزاع مسلح بين قوى عظمى، والصين عبرت عن أنها بعيدة عن الحروب التي تستنزف الموارد مما أدى إلى صرف كامل الموارد إلى الجانب الاقتصادي.

- ترامب أثار جدلا خلال فترة ولايته الأولى، وهناك من يقول إن ترامب من يحكم وآخرون يقولون إن إدارته هي التي تحكم.. كيف تنظر إلى تأثير الرئيس الأمريكي في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية؟

الولايات المتحدة الأمريكية عادة ما تملك خطا عاما في السياسة التي تحكم أمريكا داخليا وخارجيا، هناك بعض الرؤساء يسيرون ضمن هذا الخط وهناك من يتوسع إلا أن الجميع يسير بنفس الاتجاه ولا يوجد أي رئيس يسير بالعكس.

ترامب خرج كثيرا عن الخط العام للولايات المتحدة إلا أنه يسير بنفس الاتجاه وإن كان أعوج، لذلك أعتقد أن ترامب حالة شاذة، إذ إنه جاء للحكم بعد رئيس أسود يعود في أصوله إلى دول إسلامية مما أثار نزعة عنصرية لدى البيض في الولايات المتحدة مما جعل قدومه إلى الحكم بشكل غير عقلاني وخيار تعصبي.

ولعل ذلك يؤكد بداية أفول القوة العظمى، إذ إن النظرة التعصبية باتت خيارا في الحكم.

- وفي حال عدم وصول ترامب لولاية ثانية.. كيف تنظر إلى الأمر؟

من الممكن أن يكون هناك مفاجآت حقيقية في الانتخابات الأمريكية لا سيما وأن الفترة الأولى التي فاز فيها ترامب جاءت كنتيجة لعدة أسباب منها التعصب العنصري بالإضافة إلى شعبية كلينتون كانت ضعيفة وليست قوية بما يكفي مما ساعده على حصوله على فترة الرئاسة الأولى، وحاليا لا يوجد منافسون حقيقيون وأسماء بارزة مما يزيد من احتمال فوز ترامب.

سواء التعصب لصالح ترامب أو التعصب ضد ترامب من قبل المجتمع الأمريكي فإن ذلك بلا شك بداية لأفول قوة عظمى في العالم، إذ سنشهد خلال عقدين أو ثلاثة عقود انحسار قوة الولايات المتحدة وربما سنشهد قوة عظمى أخرى.

- كيف تنظر إلى العلاقات القطرية الكويتية لا سيما في ظل تنظيم معرض صنع في قطر في دولة الكويت مؤخرا؟

حقيقة أشعر بالسعادة عندما يكون هناك تقارب ما بين الدول على أساس الاقتصاد والتجارة، وأعتقد أن هناك فائدة حقيقية من وجود معارض مشتركة بين قطر والكويت.

وأن تعظيم منهج الاتفاق والوئام بدل النزاع والفرقة شيء عظيم وإيجابي ويخدم اقتصادي البلدين، دائما أنا أدعو إلى الابتعاد عن السياسة بما يخدم الجميع.

- خلال الفترة الماضية قامت دولة قطر بالعديد من الإصلاحات الاقتصادية.. كيف تنظر إلى التجربة القطرية في هذا الجانب؟

بالنظر إلى الأرقام نجد أن قطر كانت مساهمتها في الناتج الإجمالي لدول مجلس التعاون الخليجي كانت 6.6% قبل عشر سنوات إلا أن الأرقام الأخيرة تظهر أنها باتت تساهم بنحو 12% من الناتج الإجمالي.

تلك الأرقام تؤكد أن هناك تجربة رائدة بالإضافة إلى أن هناك مستوى عاليا للتعليم، وأعتقد أن قطر استطاعت تشكيل مشروع رائد في تلك النواحي.

- كيف يمكن للقطاع الخاص القطري والكويتي تعظيم التقارب فيما بينهما لخدمة الاقتصاد في كلا البلدين؟

التشريعات تلعب دورا أساسيا في خلق التقارب بين رجال الأعمال والمستثمرين من خلال تشريعات مرنة تسمح بالمنافسة بين رجال الأعمال، إلا أن هناك بعض المعيقات منها الأراضي، بالإضافة إلى تقريب في الحقوق بممارسة الأعمال لدى الجانبين.

- حدِّثنا عن بداية أعمال شركتك الاستشارية وبداية أعمالك الحرة؟

حقيقة بدأت بضغوط الأمر الواقع، إذ إن الظروف الصعبة قد تدفع الإنسان إلى اختيارات جيدة من خلال تحول المحن إلى فرص واعدة، وبالنسبة إلى دخولي العمل الخاص من خلال ضغوط في عملي لدى إحدى الجهات الحكومية كباحث الأمر الذي أصبح يقيد أفكاري مما دفعني إلى استصدار سجل تجاري وبدء ممارسة أعمالي الخاصة.