تحت عنوان حجم سوق البناء في قطر وتحليل الحصص - اتجاهات وتوقعات النمو (2024 - 2029) ذكر تقرير لمجموعة موردور إنتليجنس العالمية أن حجم سوق البناء في قطر يبلغ نحو 62.95 مليار دولار أمريكي في عام 2024، ومن المتوقع أن يصل إلى 97.42 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2029، بمعدل نمو سنوي مركب قدره 9.13٪ خلال الفترة المتوقعة.
في ذات السياق، يبذل الخبراء والتنفيذيون وصناع القرار في قطر جهوداً مكثفة لاستثمار المنتج المحلي من خلال الاقتصاد الدائري من أجل تقليل الكلفة. ويكشف تقرير لشركة قطر للمواد الأولية أن قطر تعتبر واحدة من أسرع الدول نموًا في التطور الاقتصادي، والذي أدى إلى توليد كمية كبيرة من النفايات ومخلفات البناء. لذا بدأت شركة قطر للمواد الأولية بمعالجة كافة المخلفات الإنشائية في مطمر روضة راشد وتحويلها إلى مواد صالحة للاستخدام في المشاريع الإنشائية، حيث تنتج عمليات إعادة التدوير أكثر من 10 أصناف من المواد الأولية الصالحة للاستخدام في المشاريع الإنشائية والبنية التحتية بالدولة بما فيها مواد الدفان والحصى والمواد المستخدمة في طبقات تأسيس الأسفلت باستخدام معدات متنوعة لفرز وتكسير وخلط المواد المختلفة، مع إمكانية إنتاج الرمل المغسول في المنشأة التي سيتم إنشاؤها في المستقبل لاستخدامها في مشاريع البنية التحتية والمشاريع الإنشائية (تشمل الطبقات الخرسانية والأسفلتية) بحسب المواصفات والمقاييس القطرية .
ووفق التقرير تقوم الشركة من خلال مشاركة القطاع الخاص بتنفيذ مشاريع وبرامج إعادة تدوير ومعالجة المخلفات باستخدام التقنيات الحديثة. للمساهمة في المحافظة على الثروات الطبيعية بدولة قطر بحيث توفر هذه المواد ما يقارب 20 % من احتياجات السوق المحلي في الوقت الحالي، بالإضافة إلى الأثر البيئي الإيجابي على سلامة البيئة واستدامتها وتقليل نسبة الاستيراد الخارجي للمواد الأولية، وترتكز هذه الخطة على مشاركة قطاع الشركات الوطنية للمساهمة في تحقيق التنمية الاقتصادية والتنمية البيئية المستدامة كأحد المحاور الأربعة لرؤية قطر الشاملة 2030 .
وتستخدم الشركة تقنيات حديثة لتدوير المخلفات الإنشائية تعزز الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص، تلك التقنيات يقف خلفها فريق عمل قطري ودولي برئاسة العالم الجليل الأستاذ الدكتور المهندس محمد بن سيف الكواري المستشار الهندسي بمكتب وزير البيئة والتغير المناخي والخبير البيئي، هذا الفريق أعد دراسة حول تدوير تلك النفايات الصلبة واحتضنتها الشركة بالتعاون مع القطاع الخاص وقامت بالعمل وتنفيذها الأمر الذي ساهم في تخفيض كلفة إنتاح تلك المواد بنسبة 50 %، وفي محاولة لإلقاء الضوء على تطورات إخراج تلك الدراسة التي أعدت منذ فترة لحيز التطبيق العملي والاستفادة منها التقت صحيفة لوسيل الأستاذ الدكتور محمد بن سيف الكواري وتوجهت إليه بعدد من المحاور فيما يلي:
من أين بدأت فكرة تدوير المخلفات الصلبة المتراكمة منذ زمن طويل؟
لقد كان استغلال المخلفات الإنشائية في روضة راشد والتي تقدر بـ 40 مليون طن حلما صعب المنال، لكن الإرادة والعلم والإصرار والتحدي، حولت الحلم إلى حقيقة وتطبيق في الميدان، ففي عام 2007 بدأت مع فريق البحث العلمي التابع لوزارة البيئة والتغيّر المناخي، ويضم الدكتور خالد حسن المدير العام لمركز أبحاث البنية التحتية بواحة العلوم والتكنولوجيا - قطر، والدكتور البروفيسور أيان سميز Dr Ian Sims الخبير والاستشاري العالمي في مجال الجيولوجيا والهندسة - المملكة المتحدة، بريطانيا، والدكتور ميري ريد Dr Murray Reid الخبير والاستشاري الهندسي - المملكة المتحدة، بريطانيا، وبالتعاون مع هيئة الأشغال العامة (أشغال)، إلى التفكير بوضع تقنيات ووسائل حديثة ومتطورة لإنتاج أحجار بناء ورمال ودفان من المخلفات الإنشائية الموجودة في روضة راشد، حيث تستخدم هذه الأحجار والمواد الأخرى في المباني والطرق والصناعات الإنشائية مثل: الطابوق والبلاط والإنترلوك والوحدات الخرسانية وغيرها، وبالتالي تقدم فريق البحث العلمي بمقترح بحث شامل يعالج هذه المخلفات الملوثة للبيئة إلى مواد أولية تستخدم في المشاريع الإنشائية إلى الصندوق القطري لرعاية البحث العلمي الذي أجاز فنيا هذا المقترح .
متى بدأتم العمل في البحث العلمي؟
بدأ العمل فعلياً في البحث العلمي في عام 2010 عندما منح الصندوق القطري لرعاية البحث العلمي فريق العمل هذا المشروع ولمدة 3 سنوات تنتهي في عام 2013، إلا أن الفريق العلمي وضع خريطة طريق Road map وخطة شاملة وإستراتيجية علمية وفنية متطورة ومستدامة، لإدارة ومعالجة جميع المخلفات التي تضر بالبيئة القطرية والمتعلقة بالمواد الهندسية والإنشاءات، وقد شملت هذه الخطة وضع اشتراطات ومعايير ومواصفات علمية مبنية على تجارب عالمية لمعالجة المخلفات الإنشائية بمنطقة روضة راشد واستخدامها في المباني والطرق وصناعة المواد الإنشائية، والاستفادة من الإطارات القديمة والتي يتقدر بالملايين، وذلك بطحنها وخلطها مع البيتومين واستخدامها في الخلطات الإسفلتية للطرق وخاصة الطرق التي تتحمل الشاحنات الثقيلة لما لها من مميزات ومرونة عالية .
ولقد قام فريق البحث العلمي بالتعاون مع بعض الشركات بالقطاع الخاص بإنشاء 4 حجرات اختبارية من المواد المعاد تدويرها من مخلفات الحفر والهدم والمخلفات الإنشائية تقريباً بنسبة تصل إلى 50 % من حجم أحجار الجابرو المستوردة في الخرسانات الإنشائية وغير الإنشائية، وتمت إضافة رماد المخلفات المنزلية إلى الخلطة المذكورة بنسب متفاوتة، حيث نفذت هذه المشاريع بمنطقة النجمة لدراسة أثر التغيرات والعوامل الجوية، والوصول إلى استنتاجات بشأن مدى مقاومتها لعوامل التعرية.
وماذا عن طريقة العمل؟
قام الفريق البحثي بإنشاء طريق أخضر باستخدام نحو 210 آلاف طن من الدفان والأحجار المعاد تدويرها، والمأخوذة من المخلفات الإنشائية بروضة راشد بنسبة تصل إلى 100 % من الحجر الجيري المحلي والرمل الناعم المستخدمين في بناء الطرق، وبطول كيلو متر تقريبا ويمتد من مدخل مكب المخلفات الإنشائية بروضة راشد إلى الشارع العام المؤدي إلى شارع سلوى، بتكلفة تقدر بنحو 1.2 مليون ريال.
وقام الفريق العلمي بالتعاون مع شركة استشارية أمريكية باستخدام مطحون الإطارات القديمة في إنشاء شارع الكسارات بالمنطقة الصناعية وجزء من شارع سلوى. وبعد مرور سنوات عديدة على المنشآت الاختبارية، بينت نتائج الاختبارات المعملية والميدانية قوة ومتانة عالية للخلطات الجديدة والمبتكرة للأحجار والإطارات.
لقد أثبت البحث العلمي بنجاح أداء مبان خرسانية تم إنشاؤها من مواد معاد تدويرها بعد تعرضها لظروف مناخية وأحمال لمدة 5 سنوات في قطر. وقد أثبتت النتائج أداءً جيدًا للمواد المعاد تدويرها، مع عدم وجود اختلافات في أداء وقابلية التشغيل مقارنة بالمواد الأولية، مع انخفاض التكلفة التقديرية وثبات في القوة والمتانة والجودة. كما تساهم هذه النتائج في دعم إستراتيجية الدولة في استخدام أوسع للمواد المعاد تدويرها في مشاريع المباني والطرق والبنية التحتية والتقليل من استيراد المواد الأولية من الخارج.
ما هي علاقة المشروع بالقطاع الخاص؟
لذلك، فإن مشروع التدوير له علاقة بالقطاع الخاص فهو المستثمر لهذ النوع من المشاريع، وبالتالي فهو يعتبر ترجمة واقعية لأحكام القانون رقم (12) لسنة 2020 بتنظيم الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص، حيث يعد هذا القانون خطوة إستراتيجية كبيرة تدعم القطاع الخاص المستثمر في مشروع التدوير، وتفعّل دوره في بناء قوة الاقتصاد الوطني، ويسهم في تطوير بيئة أعمال ديناميكية تعزز أداء القطاع الحكومي، وذلك من خلال تطوير قدرات شركات القطاع الخاص القطري، وتشجيع المنافسة وتعزيز دورها ومساهمتها في التنمية الاقتصادية، وإلى توجيه الجهات الحكومية باتخاذ منحنى جديد ورؤية حديثة لإدارة المشاريع الوطنية بما يدعم كفاءة وفعالية إنجازها وتعزيز استدامتها بأقل التكاليف.
وإن استخدام إعادة التدوير لبعض المخلفات ذات العلاقة بالإنشاءات في مشاريع المباني والطرق والبنية التحتية والصناعات الإنشائية، سوف يوفر الجهد والمال، ويقلل الاعتماد على الأحجار المستوردة، إضافة إلى ذلك أن الاستفادة من المخلفات الأخرى كالإطارات وغيرها، والتخلص الآمن منها بإعادة تدويرها واستخدامها في مشاريع الإنشاءات بعد ثبوت ضررها على البيئة، لهو تعزيز وحماية للبيئة من التلوث والانبعاثات الغازية الضارة. وبالتالي قدم فريق البحث العلمي اقتراحات ومبادرات لوضع اشتراطات ومعايير فنية ولوائح ومواصفات قياسية قطرية متبناه من مواصفات دولية، لاستخدام الركام البديل في مشاريع المباني والطرق والبنية التحتية والصناعات الإنشائية، بالإضافة إلى وضع معايير فنية ومواصفات قياسية لخلطات إسفلتية وخرسانية مختلفة باستخدام مطحون الإطارات القديمة المستعملة أو غيرها من المخلفات.
هل يدعم البحث جهود التنمية المستدامة؟
تكمن أهمية إعادة تدوير مواد الهدم والبناء ليست في دعم جهود التنمية المستدامة فحسب إنما في تنويع الاقتصاد والحفاظ على البيئة، حيث إن إعادة التدوير توفر على قطر 50 % من تكلفة الأحجار المستورة، بينما تقلل من الانبعاثات الكربونية بنسبة 86 %، كما أنها تخلّص البيئة من تراكم هذه المخلفات الإنشائية وما ينتج عنها من أتربه وغبار في فترة هبوب الرياح، مما يكون له الأثر السلبي على الصحة العامة وذلك من خلال تعرض الأشخاص إلى موجات من الغبار تسبب أمراضا صدرية وتنفسية وفقاً لأبحاث ودراسات علمية، بالإضافة إلى ذلك يمنع انتشار القوارض والحشرات المضرة بالبيئة والإنسان ويحمي من تجريف الأراضي البكر، حيث إن تدوير المخلفات الإنشائية معتمدة من قبل المواصفة القطرية رقم QS 29/2012 والتي تم اعتمادها بقرار وزاري لتحويلها إلى أحجار ورمال وأعمال دفان والتي اعتمدتها هيئة التقييس الخليجية برقم GSO 2489/2015 لتكون مواصفة قياسية خليجية لتطبيقها في دول المجلس.
أهم الجوائز التي فاز بها هذا الإنجاز القطري؟
لقد حقق البحث العلمي إنجازات علمية لقطر سواء على المستوى الوطني والعربي والدولي، فقد فاز هذا البحث بجائزة أحسن بحث علمي مبتكر بدولة قطر بمنتدى إنشاءات قطر، كما فاز بالمرتبة الأولى للمشاريع البحثية المتعلقة بالبيئة العربية وعددها 720 بحثا تقدمت للجائزة، وبالتالي حصل على جائزة الابتكار الأخضر العربية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وحصل البحث القطري على أعلى نسبة تصويت بنسبة 60 %، كما حصل على الإجازة العلمية من اللجنة العلمية لتقديم البحث القطري في المؤتمر الثاني عشر العالمي الشهير حول هندسة الرصف والبنية التحتية، الذي عقد بمدينة ليفربول البريطانية.
ونشرت المجلة الدولية لهندسة الرصف وتكنولوجيا الأسفلت في عددها رقم 21 الصادر في شهر مارس 2020 البحث القطري بعنوان الأداء الميداني للركام المعاد تدويره والبديل في الخرسانة ، حيث حصل هذا البحث على إشادة دولية لما تضمنه من تجارب ميدانية واقعية أظهرت الأداء القوي للأحجار المعاد تدويرها في المشاريع الهندسية. بالإضافة إلى تدشين الكتاب العلمي بعنوان الأحجار المعاد تدويرها في إنشاءات قطر .
لذلك اعتبر الصندوق القطري لرعاية البحث العلمي QNRF هذا البحث من التجارب العلمية الناجحة سواء على المستوى الوطني أو الإقليمي أو الدولي، وقد تمت دعوتنا أكثر من مرة لعرض نتائج هذا البحث الناجح في مؤتمرات عالمية أقيمت في الدوحة.