6 مسارات تعمل عليها الدولة لمعالجته

الأمن المائي في خطر

لوسيل

صلاح بديوي

د. بدر العنزي: المتبقي الملحي يهدد المياه الخليجية
د. سيف الحجري: نحتاج لتطبيق برامج صارمة للحد من هدر المياه والغذاء
د. عادل شريف: الاهتمام بالبحث العلمي ضرورة لتطوير تقنيات المياه
د. محمد الشياب: تأثير الاحتباس الحراري سيكون كارثياً على المياه

كشفت بيانات رسمية أن موارد المياه في منطقة الخليج باتت تواجه مخاطر جمة محدقة بها ابرزها، ثلاثي التغير المناخي، التلوث، استنزاف الخزان الجوفي .
وترتب على ذلك عدة مسارات طويلة ومتوسطة وقصيرة الأمد تعمل عليها الدولة خلال السنوات القليلة الماضية، أبرزها توطين التقنيات الحديثة، الانتهاء من إنشاء خزانات إستراتيجية للمياه، والتوجه لإقامة منطقة محمية لخزان المياه الجوفي الشمالي تغطي 29% من إجمالي المساحة اليابسة في دولة قطر .

تستهدف تلك المنطقة حماية خزان المياه الجوفي الشمالي والحفاظ على جودة مياهه وفق ما ورد بالخطة العمرانية،الى جانب التوسع بمجالات معالجة مياه الصرف وتحلية المياه، واتخاذ اجراءات عاجلة لحماية الخزان الجوفي من الاستنزاف، وتفعيل البحث العلمي في مواجهة التلوث القائم والمحتمل .

الميزان المائي للدولة

يكشف احدث تقرير صادر عن جهاز التخطيط والاحصاء حول إحصائيات المياه أن الحد الآمن لاستغلال المياه الجوفية في قطر يبلغ 54.2 مليون م3 سنويا، بينما يبلغ مستوى سحب معدل المياه الجوفية في الوقت الحالي 250 مليون م3 سنويا، بارتفاع يصل الى اكثر من 350 % عن الحد الآمن، مما يتسبب في استنفاذ الأحواض الجوفية وانخفاض منسوبها وارتفاع ملوحتها. الأمر الذي تطلب تنفيذ عدة مشاريع لرفع معدل تغذية الأحواض الجوفية صناعيا - من خلال أبار حفرت خصيصا - وذلك عبر الحقن الصناعي لمياه الصرف المعالجة والمياه المقطرة وتلعب عائدات مياه الري دورا مهما في التوازن المائي الكلي .
ووفق التقرير ارتفعت كمية إنتاج المياه - التحلية،الجوفية، المعالجة - من 914 مليون م3 عام 2016 الى 1104 مليون م3 بالوقت الراهن، وارتفعت نسبة فاقد المياه الحقيقي من 4 % عام 2016 الى 6 % بالوقت الراهن أي بارتفاع يصل الى 33 % ، والمصدر الرئيسي للمياه الان هو تحلية مياه البحر وتبلغ النسبة 61 % بينما يتم استخراج المياه الجوفية بنسبة 23 % ومعالجة مياه الصرف الصحي بنسبة 16 % .
وبحسب تقرير لمنظمة التربية والعلوم والثقافة اليونسكو صدر مؤخرا أن الدول العربية هي الأكثر عرضة لأزمة المياه، خصوصا مع تزايد عدد السكان ومعاناتها من تأثير التغيرات المناخية، ومن أصل 20 دولة مهددة بالعطش حول العالم توجد 14 دولة عربية، كما أن 51 مليون شخص في المنطقة العربية لا يتحصلون بعد على الماء الصالح للشرب .

الاستثمارات في المياه

وحسب المجلس العربي للمياه يقدر الاستهلاك العربي السنوي من المياه بحوالي 230 مليار متر مكعب، منها 43 مليار متر مكعب تستهلك في الشرب والصناعة و187 مليار متر مكعب في الزراعة، وتستثمر البلدان العربية ملايين الدولارات لبناء محطات لتحلية مياه البحر التي ما زالت تكلفتها المادية والبيئية مرتفعة، وتحظى هذه التقنية بأهمية كبيرة إذ تستحوذ الدول العربية -وعلى رأسها دول الخليج- على حوالي 60 % من الاستثمارات في هذا المجال، كما تعتمد دول مجلس التعاون الخليجي على التحلية بنسبة تصل إلى 80% كمصدر أساسي لمياه الشرب . ووفق إحصائيات مجلس التعاون أنفقت دول الخليج العربي مجتمعة حوالي 35 مليار دولار من أجل إنشاء 550 محطة للتحلية خلال العشرين سنة الأخيرة.
وقال رئيس المجلس العربي للمياه الدكتور محمود أبو زيد امام ندوة المنتدى الزراعي العربي باكسبو التي عقدت مؤخراً إن الدول العربية من أكثر دول العالم فقراً في المياه، مشيراً إلى وصول نصيب الفرد في 18 دولة عربية إلى أقل من 1000 متر مكعب سنوياً، وهو خط الفقر المائي الذي حددته الامم المتحدة .
واعتبر دكتور ابوزيد أن أهم التحديات التي تواجه الدول العربية في مجال الأمن المائي هي التغيرات المناخية وتأثيرها على الموارد المائية، خاصة أن الطقس في غالبية الدول العربية جاف وحار، إضافة إلى ما تسببه هذه التغيرات من ارتفاع في منسوب سطح البحر وغمر بعض الأراضي، إلى جانب زيادة السكان وزيادة استهلاك المياه، بل والإسراف فيه .
ويشير تقرير لوزارة التجارة والصناعة القطرية حول إنتاج المياه المعبأة في دولة قطر، يبلـغ حجـم السـوق المحلـي مـن منتـج الميـاه المعبـأة حوالـي 1.2 مليـار لتـر سـنويا، ووفقـا لمجمـوع الطاقـات التصميميـة للمصانـع العاملـة حوالـي 2.5 مليـار لتـر فـي السـنة ويتـم اسـتغلال 47.4% فقـط منهـا، وتسـاهم هذه المصانع في سـد 98% من حاجة السـوق المحلي وبما يعادل 1.18 مليار لتر سـنويا

الطاقة المتجددة

يقول دكتور عادل شريف أستاذ تحلية المياه وابتكاراتها ل لوسيل ان التقدم التكنولوجي يجعل من مياه البحر مصدرا للاستخدام الشخصي وللزراعة ويمكن تقليل كلفة تكنولوجيا التحلية إذا تم ربطها بمصادر الطاقة المتجددة،وأن بلدان الخليج لديها ساعات طويلة من الشمس وتقع على شواطئ البحر، ويمكن استغلال التقنيات الحديثة المستدامة في توليد الطاقة وربطها بتحلية مياه البحر .
ويستطرد دكتور عادل شريف قائلاً وفي مجال تقنيات تحلية وترشيد واستخدام المياه لا يوجد تقدم علمي دولي والسبب في ذلك يرجعا الى ان الدول المتقدمة ليست لديها مشكلة مياه نظرا لتوفر المياه والأنهار بها، ولذلك يوجد تطور تقني ومن هنا يتوجب على الدول العربية عموما والخليجية بشكل خاص العناية بشكل كبير بالبحث العلمي والعمل على تطويره من اجل التوصل الى تقنيات محلية لتوفير وإنتاج المياه والحفاظ عليها من التلوث، لان فكرة الانتظار حتى تأتي التقنيات الحديثة من الدول الغربية هي فكرة غير سليمة وغير مستدامة .
ويخلص للقول ان بعض الدول المتقدمة في اوروبا وأمريكا ترى في مشكلة المياه فرصة لاندلاع نزاعات وحروب في شتى أنحاء العالم حتى تبيع أسلحتها وبالتالي في قادة تلك الدول ينظرون لمشكلة المياه كفرصة تجارية وليس لايجاد الحلول .
برامج للحد من الهدر

ويقول الخبير البيئي الأستاذ الدكتور سيف بن علي الحجري مفوض الأمم المتحدة لأهداف التنمية المستدامة موارد المياه الطبيعية العذبة في دول الخليج نادرة ويجري استنزافها في الزراعة الامر الذي يؤدي لملوحتها، وتعتمد تلك الدول على مياه البحر لسد العجز الكبير لديها في المياه، وذلك يتطلب تقنيات حديثة من اجل تقليل كلفة الانتاج وتطبيق برامج صارمة للحد من هدر المياه والغذاء، لكون أنه بدون المياه لا يوجد غذاء .
ويستطرد دكتور الحجري قائلا يشير التوزيع النسبي لكمية المياه الجوفية المستخرجة في دول الخليج أنها كانت تقدر ب 24.9 مليار م3 عام 2005 باتت في عام 2020 بحوالي 18.5 مليارم3 بنسبة تغير 34.6 %، ووفقا للتوزيع النسبي للمياه الجوفية المستخرجة في دول الخليج عام 2020 احتلت السعودية المرتبة الأولى بنسبة 69.8 % تليها الإمارات بنسبة 16.1 % ثم عمان 7.1 %، الكويت 4.8 % وقطر 1.6% والبحرين 0.7 % .
وأوضح ان المساحات المزروعة في دول الخليج ضئيلة السعودية 7.719.2كم2 والامارات 611.6 كم وعمان 1.121 وقطر 134.3 كم2 والكويت 99 كم2 والبحرين 20 كم2، ولذلك نجد ان دول الخليج تنفق 30.4 مليار دولار امريكي من اجل استيراد الغذاء 2021 مقارنة 25.4 مليار دولار 2017، ويبلغ نصيب قطر من الواردات الغذائية 1400.1 مليار دولار أي 4.6 % من واردات الخليج الغذائية، بينما صادرات الغذاء من دول الخليج تبلغ 5.4 مليار دولار، 3.7 مليار دولار أمريكي معدل التبادل البيني بين دول مجلس التعاون .
ويخلص د. الحجري للقول ان من بين التحديات التي تواجهها قضية الزراعة وارتباطها بالمياه صغر المساحة الصالحة للزراعة وتدني خصوبة التربة، والفقر في المياه السطحية الجوفية الذي يؤدي لاستنزاف مياه الخزان الجوفي، الى جانب قلة الاستثمار في مجالات التكنولوجيا، وتحقيق الأمن المائي يجري بتوظيف تقنيات الترشيد والتحلية والاستفادة من المياه المعالجة، وأعداد كوادر وطنية مؤهلة للعمل بهذا المجال .

معالجة المتبقي الملحي

ويقول الأستاذ الدكتور بدر شفافة العنزي للوسيل، عالم زائر وباحث في قسم الهندسة الميكانيكية ان ثمة ظاهرة سلبية تنتج عن اعتماد دول الخليج على تحلية مياه البحر الا وهي أننا نستخلص منها المياه العذبة ونتخلص من المتبقي الملحي الذي تركيزه ضعف مياه البحر مخلوطاً بجانب من المواد الكيماوية المستخدمة في المعالجة وهذا يسبب مشكلة كبيرة جدا في المورد المائي الرئيسي للخليج وللعالم، لكون ان بعد عقود من التحلية يرفع ملوحة المنطقة الساحلية واكثر منطقة بها تنوع بيولوجي ويؤثر على المقطرات وتحلية المياه الامر الذي يثير تحديات متعددة، لذلك بعض مناطق الخليج وصلت فيها الملوحة 57 الفا من مليون وفي الأحوال الطبيعية تكون 38 الفا الى 40 درجة .
ويستطرد دكتور شفاقة قائلا ويوثر على نسبة الخزين في المياه ويضر على الكائنات الحية القاعية وقدمنا من حلال الأبحاث الحلول الناجحة من بينها تقديم الملح الى القطاع النفطي لإنتاج مواد كيماوية .
وفي ذات السياق، كشفت دراسة دعمتها الأمم المتحدة إن قرابة 16 ألف محطة لتحلية المياه في جميع أنحاء العالم تنتج كميات أكثر من المتوقع من المياه شديدة الملوحة (مخلفات) ومواد كيماوية سامة مما يشكل خطرا على البيئة.
وتقول الدراسة إنه لكي تنتج محطات التحلية 95 مليون متر مكعب من المياه الصالحة للشرب فإنها تنتج أيضا 142 مليون متر مكعب من المياه شديدة الملوحة كل يوم أي بزيادة 50 % عن التقديرات السابقة.
وتوضح الدراسة التي أجراها معهد جامعة الأمم المتحدة للمياه والبيئة والصحة ومقره كندا إن نحو 55 % من المياه شديدة الملوحة تنتجها المحطات التي تقوم بتحلية مياه البحر في كل من السعودية والإمارات وقطر.
وتقول الدراسة عن التكنولوجيا التي يزداد الطلب عليها وكثيفة الاستخدام للطاقة إن المياه شديدة الملوحة تضخ معظمها في البحر وستكون كافية بمرور السنين لتغطية مساحة تعادل ولاية كاليفورنيا الأمريكية بمياه شديدة الملوحة يصل ارتفاعها إلى 30 سنتيمترا.
وقالت الدراسة إن المخلفات وهي مياه تمثل نسبة الملح فيها 5% غالبا ما تحتوي على مواد سامة مثل الكلور والنحاس المستخدم في التحلية. وعلى النقيض فإن نسبة الملح في مياه البحر في جميع أنحاء العالم تبلغ نحو 3.5 %
وقال إدوارد جونز المشرف على الدراسة والذي يعمل أيضا في جامعة فاجنينجين في هولندا إن النفايات الكيماوية تتراكم في البيئة ويمكن أن تكون لها تأثيرات سامة على الأسماك .
وأضاف أن المخلفات من المياه شديدة الملوحة يمكن أن تقلل مستويات الأكسجين في مياه البحر قرب محطات التحلية مع تأثيرات كبيرة على المحار والكابوريا ومخلوقات أخرى في قاع البحر مما يؤدي إلى تأثيرات بيئية يمكن ملاحظتها على كل مستويات السلسلة الغذائية .
وقال فلاديمير سماختين مدير معهد جامعة الأمم المتحدة للمياه والبيئة والصحة إن الدراسة جزء من بحث عن كيفية أفضل السبل للحصول على مياه صالحة للشرب لعدد متزايد من السكان من دون الإضرار بالبيئة.

استغلال البخار الجوى

وكشفت دراسة لوكالة ترويج الاستثمار مؤخرا، أن هناك أكثر من 50 شركة رائدة في مجال التكنولوجيا ومراكز البحوث والتطوير تعمل في قطر من خلال الشراكة مع واحة قطر للعلوم والتكنولوجيا، مشيرة إلى إطلاق المختبر التجريبي الهجين التابع لواحة قطر للعلوم والتكنولوجيا، ومختبر (VFarms) أول مزرعة في البلاد بدون مصادر مياه خارجية، عبر مولد مياه من البخار الجوي يعمل بالطاقة الشمسية، وينتج الماء من الهواء، كما وقعت شركة وادي ووتر للتكنولوجيا الزراعية اتفاقية مع وكالة ترويج الاستثمار في قطر لجلب تقنية الرطوبة إلى مياه الشرب إلى البلاد، بينما تعمل (iFarm) الفنلندية مع مزارع أجريكو لبناء مزرعة عمودية تدار بالذكاء الاصطناعي في الدوحة.
ووفق بيانات رسمية تتحمل الحكومة القطرية مبالغ طائلة في سبيل تحلية المياه وتحويلها الى مياه عذبة صالحة للشرب.
وتبلغ تكلفة تحلية المياه حاليا 80 سنتا للمتر المكعب الواحد، بينما كانت التكلفة في السابق تصل الى دولار واحد و40 سنتا للمتر المكعب، لكن قطر تقوم حاليا بإجراء دراسات بالتعاون مع معاهد أمريكية ويابانية لخفض التكلفة الى 50 سنتا للمتر المكعب الواحد.

الجــــوع
الخفــي

واخيرا، يقول دكتور محمد الشياب أستاذ الهندسة البيئية والمياه للوسيل ان للتغير المناخي اثرا سلبيا على امن الدول وامن الإنسان، وتقديرات هيئة تغير المناخ الدولية تشير الى انخفاض الكميات الزراعية المنتجة بنسبة 3.8 % الى 5.45 % حتى عام 2050 وذلك يؤدي الى ظهور ظاهرة الجوع الخفي اي تراجع القيمة الغذائية للمنتجات الزراعية بسبب تراجع نوعية التربة، كما أن تأثير الاحتباس الحراري سيكون كارثيا على المياه لما في باطنها من الثروة السمكية وكل درجة من احترار العالم تعني المزيد من المتاعب للثروة السمكية في العالم بمعنى ان واحدا ونصف احترار درجة مئوية بحلول 2100 من الاسماك التي تمت دراستها تضطر لمغادرة أماكن التفريخ والاحتكار لدرجة بزيادة 5 درجات يعرض 60 % من الاسماك للخطر ويساهم في مغادرتها أماكن التفريخ .