في 24 مايو، خفضت وكالة التصنيف موديز تصنيف الصين الائتماني للمرة الأولى منذ عام 1989 بسبب المخاوف حيال ارتفاع الديون وتباطؤ النمو الاقتصادي. ورغم تخفيض تصنيفها الائتماني، فإن الصين حافظت بشكل مريح على وضعها المتقدم في التصنيف الاستثماري، كما كان تأثير هذا التخفيض محدودًا على الأسواق المالية. بيد أن هذه الخطوة المفاجئة أعادت للأضواء مجددًا المخاطر طويلة الأجل التي تترتب على التراكم السريع للديون على الاقتصاد الصيني.
وقد اتخذت السلطات تدابير للحد من المخاطر، وهو ما من شأنه أن يساعد على استمرار النمو في الانخفاض بوتيرة منظمة في عام 2017. ولكن إذا لم تتقدم جهود الإصلاحات بصورة أكثر جدية، فإن مخاطر جبل الديون الصينية قد تقود إلى انخفاض حادّ في النمو مستقبلًا.
بلغ إجمالي الديون الصينية أكثر من 250% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2016، منها حوالي 160% من قبل قطاع الشركات أو المؤسسات المملوكة للدولة، ففي أعقاب الأزمة المالية، كانت السلطات قد أحدثت طفرة في ائتمان الشركات بغرض تمويل مشاريع البنية التحتية والمشاريع الصناعية والعقارية في محاولة لمواجهة التراجع في الطلب الخارجي على الصادرات، وكانت تلك الطفرة المحرك الرئيسي للنمو حتى ذلك الحين. وعلاوة على ذلك، قدمت السلطات ضمانات ضمنية للقروض ودعمًا لأسعار الفائدة بهدف زيادة تحفيز الإقراض من أجل الحفاظ على النمو في المدى القصير.
غير أن هذه العملية خلقت زيادة كبيرة في فائض الطاقة الإنتاجية عبر جميع القطاعات.
من المحتمل أن يكون تأثير التراكم السريع للديون في غاية السلبية على الاقتصاد وأن يهدد النمو طويل المدى. وهناك ثلاث طرق رئيسية يمكن من خلالها أن يحدث ذلك.
أولًا، يمكن أن يؤدي فائض الطاقة الإنتاجية إلى ركود المبيعات وتراجع الأرباح، وهو ما قد ينتج عنه تسريح للعمال وانخفاض في الاستهلاك.
ثانيًا، من شأن ارتفاع عبء الدين أن يصعّب على الشركات المملوكة للدولة مهمة خدمة ديونها، وأن يلحق أيضًا ضررًا بأرباحها. وقد يؤدي ذلك إلى زيادة الديون المتعثرة والتأثير على الميزانيات العمومية للبنوك.
ثالثًا، من شأن توقعات انخفاض نمو الأرباح أو عدم القدرة على خدمة الديون أن تقلق الشركات المستثمرة وتؤدي إلى هروب رؤوس الأموال للبحث عن عوائد أعلى في أسواق أخرى.
وخلال العامين الماضين، تحققت جميع هذه العوامل الثلاثة، لكن ليس إلى درجة إحداث أزمة متواصلة من فقدان الثقة أو تباطؤ حاد في النمو كما كان يتخوف البعض. وقد تراجع نمو الأرباح في بعض القطاعات التي تشهد فائضًا في الطاقة الإنتاجية كالفحم والصلب.
وارتفعت الديون المتعثرة الرسمية من 1.0% من إجمالي الديون في عام 2011 إلى 1.7% بنهاية 2016، وشهدت الصين عامين متواليين من هروب رؤوس الأموال خلال 2015 - 2016 لأول مرة منذ 1999 2000. وإدراكًا منها لهذه المخاطر، زادت السلطات الصينية تركيزها على ضمان الاستقرار المالي. فقد قام بنك الشعب الصيني خلال عام 2016 وفي مطلع 2017 بتشديد السياسة النقدية والضوابط المالية والإشراف الرقابي. وتعمل السلطات على إجراء تخفيضات في القطاعات التي بها فائض في الطاقة الإنتاجية، وإعادة هيكلة وتخصيص الشركات المملوكة للدولة العاجزة عن سداد ديونها.
باختصار، شهدت الصين طفرة غير مسبوقة في الائتمان دفعت بمعدلات النمو في البلاد لأعلى بدرجة كبيرة في أعقاب الأزمة المالية العالمية. ولضمان عدم حدوث أزمة مالية كبيرة بسبب التراكم الهائل للديون، سيتوجب على صناع السياسة في الصين إحراز تقدم أكبر في مجال الإصلاحات. وعلاوة على ذلك، يجب على الصين التصدي لقضية الموازنة بين الاستقرار المالي والنمو. وللحد من المخاطر طويلة الأجل من خلال تخفيض كبير للديون، سيتوجب على السلطات القبول بمعدلات نمو أقل من تلك التي يقبلونها حاليًا.