الإجراءات التي اتخذها - ولا يزال يتخذها - البنك المركزي المصري بشأن ضبط العلاقة السعرية بين الجنيه والدولار الأمريكي، والتي تتمثل في فرض رقابة شديدة على شركات الصرافة، وإنذار المخالف منها وإغلاق عدد منها، تبدو إجراءات عملية تتناسب مع طبيعة المرحلة الحالية، التي تشهد ما يشبه حالة احتكار الدولار ومنعه من السير في القنوات الرسمية له، سواء عبر شركات تداول العملات الأجنبية، أو من خلال البنوك الرسمية.
فقد اتخذ المركزي إجراءات عديدة على مدار شهور، لإعادة الجنيه المصري إلى الحدود السعرية الآمنة مقابل الدولار، الذي وصل بدوره إلى أرقام عالية خاصة في السوق الموازية، والتي تتم داخل شركات الصرافة المرخصة عبر التعاملات غير الرسمية وبأسعار تفوق تلك التي يحددها البنك المركزي، وخارجها، خاصة في المناطق النائية التي تتسم بضعف الرقابة من مباحث الأموال العامة، التي تنشط وبشكل ملحوظ في القاهرة الكبرى مقارنة بغيرها من أقاليم الجمهورية.
كان من بين تلك الإجراءات ما تم بالفعل، كطرح عطاءات دولارية لتعويض النقص لدى البنوك، وتحديد سعر الجنيه مقابل الدولار، ومنها ما ينتظر التنفيذ كطرح سندات دولارية في الخارج وأسهم داخلية بالبورصة، وكان من بين تلك الإجراءات أيضا إحكام الرقابة على شركات الصرافة، والتي انتهى الأمر بإغلاق 47 شركة منها بعد ثبوت تلاعبها بالتعامل في الدولار.
وقد جاءت تلك الإجراءات بنتائج إيجابية وحدت من عمليات تسلل الدولار إلى السوق السوداء وهو ما ظهر في تراجع قيمته أمام الجنيه المصري.
غير أن تلك النتائج كانت وقتية ولا يمكن الاعتماد عليها في الأجل الطويل لتبقى أزمة الدولار وهروبه إلى القنوات غير الرسمية أزمة حقيقية في حاجة إلى سياسات اقتصادية مصرية جديدة للقضاء عليها.
ومن بين تلك السياسات دفع عجلة الاستثمار بما يتطلبه ذلك من ضرورة رفع الفائدة على المدخرات المحلية، التي يجب أن تتوجه إلى الاستثمار والوصول بقيمته إلى نفس قيمة الادخار، فضلا عن سياسات أخرى تتعلق بالاستيراد وضرورة الحد منه والتوجه إلى الصناعة المحلية وتعزيز الصادرات التي تمثل أحد أركان الحل.
بجانب ذلك يجب على الحكومة المصرية أن تنتهج سياسة جديدة لتنشيط السياحة، بعيدا عن الإجراءات المحلية التي أعلنتها الجهات الحكومية المختلفة وفي مقدمتها وزارة السياحة، من تشجيع السياحة الداخلية، غير أن التنشيط الفعلي للسياحة يتطلب جهودا خارجية، خاصة أن تراجعها ليس مرتبطا فقط بالشؤون الداخلية، وإنما بالصورة الخارجية لمصر، وهو ما يفرض على جهات أخرى كالسفارات في الخارج والهيئة العامة للاستعلامات ووزارة الخارجية لعب دور اقتصادي مهم في هذه المرحلة.
إجراءات البنك المركزي الأخيرة إذن لا تكفي وحدها لمنع هروب الدولار إلى السوق السوداء والإيقاع به في سلة الاحتكار، وإنما ينبغي أن تكون هناك سياسات اقتصادية أخرى لوضع حل جذري لأزمة الارتفاع الجامح في سعر الدولار الأمريكي مقابل الجنيه المصري.
من جهته وافق مجلس النواب المصري أمس الأول على مشروع قانون لتغليظ العقوبة على من يتعاملون في العملة الأجنبية خارج القنوات الرسمية وذلك في تصعيد لحملة البنك المركزي على السوق السوداء التي يقول إنها تزعزع استقرار العملة المحلية.
وتتضمن التعديلات تغليظ العقوبات على من يخالفون القانون لتشمل الحبس لمدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد على ثلاث سنوات وغرامة تتراوح بين مليون و5 ملايين جنيه.
وتمنح التعديلات لمحافظ البنك المركزي سلطة تعليق ترخيص أي شركة للصرافة لمدة عام علاوة على فرض غرامة مماثلة في حالة مخالفة القواعد. ويكون للبنك في حال تكرار المخالفة الحق في إلغاء ترخيص الشركة.