العالم الإسلامي.. ثروات تنقصها الوحدة (ملف)

لوسيل

الدوحة – أمير بابكر – مصطفى شاهين – محمود حمدان

ثروات ضخمة يقف عليها العالم الإسلامي، هذا ما تقوله الإحصاءات ويشهد به الواقع. فعلى صعيد الثروات البشرية يقارب سكانه أكثر من 25 % من سكان العالم، وذلك مورد من موارد الاقتصاد كثير من بين تلك الدول لا تستثمر فيه بما يستحق، لنجد ان الأمية الأبجدية، وهي ادنى مراحل الأمية، متفشية فيه بصورة كبيرة، ومع هذا الواقع لا يمكن الحديث عن تطوير للقدرات والمهارات إلا بصورة محدودة.

كما يقف هذا العالم على ثروات طبيعية يمكنها أن تميل الكفة لصالحه، إذا ما توحدت رؤاه في كيفية استغلالها بعيداً عن المواقف. فبعيداً عن الثروات النفطية واحتياطات الغاز الضخمة، تقف الدول الإسلامية على تنوع في الثروات الطبيعية، حيث يمتلك على طول أراضيه مساحات كبيرة صالحة للزراعة، لا يستغل إلا جزءا ضئيلا منها، هذا غير الموارد المائية التي يتمتع بها، كما ترقد تحت باطنه ثروات معدنية تتجاوز ثلث ما يمتلكه العالم.

في مقابل ذلك ينتشر الفقر بين ربوعه، وتدني مستوى التعليم والتطوير، إضافة للوضع الصحي. وفوق كل هذا يطغى صوت الحروب والقتل والإرهاب وسياسات أنظمته على كل الأصوات التي تتطلع إلى رسم استراتيجيات لإدارة تلك الموارد الهائلة، وكيفية التكامل والوحدة الاقتصادية التي تجعله قادراً على لعب دور أقوى مما هو عليه في عالم اليوم.

القره داغي: الوحدة الاقتصادية طريق لوحدة سياسية واجتماعية

دعا الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين فضيلة الشيخ الدكتور علي قره داغي إلى اتخاذ الوحدة الاقتصادية طريقاً للوحدة بين الأمة الإسلامية والعربية بعد التفرق والتمزق الذي حدث في القرن العشرين، مضيفاً: الاقتصاد سبيل للوحدة، فالسوق الأوربية كانت نواة الاتحاد الأوربي، فبعد تكوين السوق المشتركة سنة 1965م تشكل الاتحاد الأوربي بعدها بعشرين عاماً، أما الجامعة العربية التي تشكلت قبل السوق الأوربي بكثير لكنها لم تكن طريق للوحدة ولم تحقق أي تقدم لوحدة الأمة بل زادت الأمة العربية تمزقاً بعد أقل من عشرين عاماً من إنشائها، لذلك أعتقد أن طريق الوحدة الاقتصادية هي أقصر الطرق لتوحد العرب والمسلمين.

وأضاف لـ لوسيل السوق الأوروبي بدأ كقاسم اقتصادي مشترك وأفرز مجموعة كبيرة من الكيانات التي شكلت وحدة الأمة الأوربية كالبرلمان الأوربي الذي عقبه قوانين مشتركة، وأفرز القوة الموحد من خلال حلف الناتو.

وأوضح أن ذلك يحتاج إلى وضع استراتيجية عربية إسلامية لجعل القضايا الاقتصادية ومنها السوق المشتركة والتبادل بين الدول الأعضاء وسيلة للتجميع والتوحيد، مشيرا إلى أن هذه الرؤية يجب أن تكون واضحة وتتضمن أن تعم الاستفادة جميع الدول، مع برامج ومشروعات عملية اقتصادية جامعة، بالإضافة إلى تطوير التجارة البينية بين الدول وصياغة إطار قانوني يحمي حقوق الأطراف بالإضافة إلى أن إنشاء محكمة عربية أو إسلامية للفصل في أي نزاع يمكن أن يحدث، مؤكداً أن هذه الاستراتيجية ستؤدي إلى وحدة شاملة خلال 10 إلى 20 سنة، وستكون طريق جيدة للوحدة السياسية الاجتماعية.

وأكد أن الموارد التي تمتلكها الدول العربية والإسلامية تفرض حدوث تكامل بينها، خاصة أن هناك دولا لديها موارد البشرية وأخرى لديها موارد مالية، وهناك تجارة بينية في معظم السلع من الرداء والطعام والبترول وغيرها.

وأوضح د. القره داغي أن استراتيجية الوحدة الاقتصادية ليست دعوة للانغلاق، تستمر العلاقة مع دول أوربية وأمريكة وروسيا والدول العظمي، لكن مع توحدنا اقتصادياً.

وأشار إلى أن الوحدة الاقتصادية تتطلب حماية اقتصادنا، وبالتالي تتطلب وجود قوة مشتركة بين الدول الأعضاء كجيش مشترك كما الدرع الخليجي لحماية أي خطر يمكن أن تتعرض اقتصاديات الدول للخطر.

المقومات

6.7 تريليون دولار الناتج المحلي الإجمالي لدول المنظمة

من المتوقع ان يرتفع عدد المسلمين في العالم إلى 2.2 مليار بحلول 2030، ويمثل نحو 29 % من هذا الرقم شباب المسلمين بين عمر 15 و39 سنة.

يشغل العالم الإسلامي حوالي 21 % من مساحة العالم، وتتميز المنطقة الجغرافية له بالاتصال والترابط من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق بشكل يسهل معه عملية الانتقال من مكان إلى آخر، وهذا التنوع الجغرافي يصحبه تنوع مناخي يسمح بإنتاج وزراعة كافة السلع الزراعية وما تحتاجه الصناعات المختلفة، ولكن لا يستغل من مساحة الأراضي الزراعية بالعالم الإسلامي سوى 14% فقط، وقد يكون السبب نقص الاستثمارات أو نقص الأيدي العاملة.. فدولة السودان جميع أراضيها ذات خصوبة عالية، ولكنها لا يزرع منها سوى 10% فقط مع وفرة المياه.

استثمار هذه المساحات يؤدي لمعالجة الفجوة الغذائية التي يعانى منها عالمنا الإسلامي، والتي تزيد عن 70% لأن ما ينتجه العالم الإسلامي يمثل فقط 30% من احتياجاته الغذائية.

وتقف الدول الإسلامية على احتياطيات نفطية هائلة تمثل 69 % من احتياطي النفط العالمي، 57 % من احتياطات الغاز. وتصل صادراتها من الخام النفطي إلى 40 %.

هذا غير الثروات المعدنية الهائلة التي يحتويها باطن الأرض في البلدان الإسلامية، إذ تنتج تلك الدول من القصدير 56%، الكروم 40%،النحاس 25%، الفوسفات 25%، المنجنيز 24%، البوكسايت23%.

ومن الإشارات الإيجابية لمستقبل يمكن ان تضع ركائزه الوحدة الاقتصادية هو نمو التجارة البينية بين دول المنظمة، ورغم الضعف في هذا الجانب إلا أن هذا النمو يأتي متزامناً مع نموالأسواق الناشئة. وفي ذات الوقت فإن الناتج المحلي الإجمالي لدول منظمة التعاون الإسلامي يصل إلى 6.7 ترليون دولار في حين أن إجمالي أصول المصارف الإسلامية بلغ 1.3 ترليون دولار وتؤكد المؤشرات تضاعف نموه خلال السنوات الخمس المقبلة، كما أن من بين الدول الـ 25 الأكثر نمواً في العالم هناك 10 دول ذات أغلبية مسلمة.

معوقات في الطريق

يرى بعض المفكرين المعاصرين أن الوحدة الإسلامية لن تتحقق إلا من خلال بناء كيان اقتصادي إسلامي موحد يضم الدول العربية الإسلامية، وأن الوحدة المنشودة لابد وأن يسبقها توحد في الاقتصاديات أولا.ولكن هناك عدة معوقات تقف في طريق الوحدة الاقتصادية بين البلدان الإسلامية، سواء سوق مشتركة أو سوق حرة، وعلى رأس تلك المعوقات هو نقص المعلومات التكاملية فالدول الإسلامية رغم الظاهر تعيش في جزر منعزلة عن بعضها معلوماتياً، وبالرغم من التطور التكنولوجي والمعلوماتي إلا أن الإرادة المشتركة في تعزيز مركز معلوماتي مشترك هي ما يقف حجر عثرة، وبدونه لن تنطلق الرغبات إلى حقيقة.

كما أن فكرة المؤامرة التي كانت ولا تزال تسيطر على اعتقاد كثير من المسئولين في الدول العربية والإسلامية الذين يفترضون أنهم لو فتحوا بلادهم للعمالة ورؤوس الأموال الإسلامية أو العربية فيمكن أن يؤثر عليهم ذلك بالسلب، وعلى استقرار النظام السياسي لبلادهم.

ولعل أهم المعوقات هي الخوف من المخاطر لعدم استقرار الدول العربية سياسيا واقتصاديا، فتدفع هذه الأوضاع غير المستقرة المستثمر العربي لاستثمار أمواله بالخارج، حيث الاستقرار والأمان، وإن تبين حاليا للجميع أن المخاطر الخارجية باتت أكثر خطورة وخاصة بعد أن جمدت أمريكا رؤوس أموال عرب ومسلمين بعد أحداث الغزو فى أفغانستان والعراق.

وكذلك من معوقات السوق العربية المشتركة ارتباط المؤسسات التجارية الوطنية بشركات أجنبية تضع العراقيل ضد هذا التكامل.

878 مليار دولار حجم التجارة بين دول أعضاء منظمة التعاون الإسلامي

وصل حجم التجارة بين الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي حتى نهاية عام 2015 إلى 878 مليار دولار، في حين بلغ 802.25 في العام 2014 أي بنسبة زيادة 9.44 %.

وحسب الأمين العام المساعد للشؤون الاقتصادية في المنظمة السفير حميد أوبيليرو فإن تلك الزيادة في حجم التجارة البينية لدول المنظمة، ترجع إلى أن الأمانة العامة استمرت خلال العام الماضي في تنفيذ مزيد من البرامج والمبادرات في مجال التمويل التجاري وائتمان الصادرات وتنمية التجارة عبر إقامة المعارض التجارية والمتخصصة .

وقال أوبيلرو في بيان صدر عنه مطلع العام الماضي ،إن العام الماضي شهد زيادة في تنمية مشاريع السلع الإستراتيجية وتسهيل الإجراءات التجارية بين الدول الأعضاء .

10 دول فقط بلغت أهداف الألفية 2015

قال موسى قولاقلي قايا مدير عام مركز الأبحاث الإحصائية والاقتصادية والاجتماعية والتدريب للدول الإسلامية التابع لمنظمة التعاون الإسلامي، إن مركزه سيعمل على إعداد إحصاء عام لأدوات التمويل الإسلامي (التشاركي).

وقال إن مركزه أعدّ تقييمًا لدول منظمة التعاون الإسلامي ومدى قدرتهم على تحقيق الأهداف المحددة تحت 17 بندا. وفي هذا الخصوص قال قولاقلي قايا: للأسف وضع الدول الإسلامية ليس جيداً لم تتمكن سوى 8 إلى 10 دول إسلامية من بلوغ أهداف التنمية 2015 التي حددتها الأمم المتحدة ، وبالنسبة لأهداف 2030، فالوضع العام في الدول الإسلامية يبدو أسوأً .

وخلال تصريحاته لمراسل الأناضول أثناء تواجده في نيويورك الأمريكية للمشاركة في اجتماعات الدورة 48 للجنة الاحصائية للأمم المتحدة، تطرق قولاقلي قايا، إلى أهم المشاريع الجديدة لمركز الأبحاث الإحصائية والاقتصادية والاجتماعية والتدريب للدول الإسلامية، إضافة إلى أهداف الأمم المتحدة المتعلقة باستراتيجية التنمية المستدامة لعام 2030.

وأوضح قولاقلي قايا أنّ مركزه يسعى للوصول إلى معطيات موثوقة لتحقيق الأهداف الاقتصادية والتنمية الاجتماعية في دول منظمة التعاون الاسلامي، وأنهم يقومون بعدة مشاريع من أجل تحقيق هذه الغاية.

وأفاد أن من ضمن المشاريع التي تخدم هذا الهدف، جمع معطيات دقيقة حول أدوات التمويل الإسلامي.

وأشار أنّ مركزه يتعاون مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والبنوك المركزية لتحقيق جمع أكبر قدر من معطيات التمويل الإسلامي، لا سيما أنّ أي جهة في العالم لم تقم إلى الآن بإعداد إحصاء شامل ووافر حول التمويل الإسلامي.

وأكّد قولاقلي قايا أنّ أهمية أدوات التمويل الإسلامي تزداد حول العالم يوماً بعد يوم، وأنّ هذه الأدوات باتت محط نقاش داخل وخارج البلدان الإسلامية فيما يخص التنمية المالية وقطاع الصناعة وتوفير مصادر المال.

وأضاف أنّ لأدوات التمويل الإسلامي أبعادا فقهية، وأنّ العديد من الاقتصاديين يتباحثون حول شرعية البنوك التشاركية والصكوك من الناحية الفقهية، مشيراً أنّ كل دولة إسلامية لديها معايير معينة لقياس مدى شرعية هذه الأدوات، وأنّ بعض الدول الإسلامية لا تمتلك هذه المعايير.

وأشار أنّ بعض الدول الإسلامية تقوم بجمع إحصاءات حول أدوات التمويل الإسلامي من خلال بنوكها المركزية، والبعض الآخر من خلال مكاتب الإحصاء، فيما تخلو العديد من الدول من مثل هذه الآليات.

وأكّد قولاقلي قايا أنّ مركزه سيعمل على جمع كافة المعطيات الخاصة بأدوات التمويل الإسلامي الموجودة في البلدان الإسلامية عن طريق التواصل مع البنوك المركزية ووزارات الاقتصاد والتخطيط، إضافة إلى التعاون مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وبنك التنمية الإسلامية.

البلتاجي: أدوات التمويل الإسلامي ضرورية لتحقيق التكامل الاقتصادي

يرى الدكتور محمد البلتاجي رئيس الجمعية المصرية للتمويل الإسلامي، أن التعاون الاقتصادي بين الدول الإسلامية ضرورة وليس خيارا، مؤكدا أن هناك دولا تمتلك وفرة في الموارد الغذائية، والموارد البشرية، بالإضافة للتعدين والموارد الطبيعية، ووفرة مالية كل ذلك لو تم استثماره بطريقة علمية سيؤدي إلى التكامل الاقتصادي المنشود الذي يجب أن تتمتع به الدول الإسلامية لو حدث تعاون حقيقي بينها في جميع المجالات.

وأكد الدكتور البلتاجي أن التعاون الحالي ليس كافيا بالمرة مضيفا أنه لا يوجد تعاون بمعناه الحقيقي أصلا، فالحديث كثير عن أوجه تعاون ولا يوجد أي شكل من أشكاله على أرض الواقع.

وأكد أن استقدام العمالة من دول أخرى للعمل بالدول التي ليس بها وفرة في العمالة كما هو الحال في الدول النفطية ليس كافيا لإحداث التعاون، فيجب التنسيق الكامل واختيار نوعية العمالة وكيفية الاستفادة منها بشكل جيد وتطويعهم تكنولوجيا، بحيث لا يتوقف الأمر عند مجرد تأدية خدمات، مما يكون له أثر في إحداث تطور صناعي وزراعي بحيث تسهم الدول النفطية في استقدام عمالة مدربة للعمل بالدول التي تمتلك أراضي خصبة كالتي بالسودان على سبيل المثال بحيث يستفيد الجميع خاصة عند تنحية السياسة جانبا حتى لا يفشل أي مظهر من مظاهر التعاون.

واعتبر البلتاجي أن أدوات التمويل الإسلامي لها دور كبير في تحقيق التكامل بين الدول الإسلامية وتعزيزه، لأنها تعتبر إحدى أدوات ما يطلق عليه الشمول المالي التي تحاول استثمار رؤوس الأموال بطرق شرعية وخاصة رؤوس الأموال الخليجية التي تسعى لاستثمار أموالها معتمدة على المصادر الشرعية، فلو أن هناك دولا تمتلك مشروعات يمكن من خلالها استقطاب هذه الأموال التي تعتمد على التمويل الإسلامي التي يفضلها معظم المستثمرين الخليجيين مثل مشروعات التنمية والبنية التحتية والخدمات البيئية، الأمر الذي يحقق وجها من أوجه التكامل بين هذه المشروعات الإنتاجية وبين رؤوس الأموال التي ترغب في العمل الاستثماري الذي يعتمد على التمويل الإسلامي.