تحقق عائدا مستقرا..

خبراء لـ لوسيل : سوق السندات فرص مواتية للاستثمارات الآمنة نوعيا

لوسيل

أحمد فضلي

شهدت الأسواق المالية خلال الأيام القليلة الماضية تحولات جوهرية على مستوى الشهية الاستثمارية لكبار المستثمرين والصناديق الاستثمارية والمحافظ السيادية لعدد من الدول، حيث سجل تغير كبير فيما يتعلق بالتدفقات النقدية سواء من الأسواق التقليدية إلى أسواق جديدة أو العكس، بالإضافة إلى تسجيل تحركات من كبار المستثمرين من الأصول الآمنة والمستقرة على غرار السلع والمعادن الثمينة كالذهب والفضة والبلاتين وبعض السلع الأساسية الأخرى، نحو الاستثمارات من متوسطة المخاطر إلى عالية المخاطر، وقد كانت سوق السندات وأذونات الخزينة هي الأكثر جذبا لتلك التدفقات النقدية وللسيولة المتحركة وعلى وجه الخصوص الأسبوع الماضي الذي شهد دخولا كبيرا على العديد من السندات العالمية وعلى وجه الخصوص السندات الأمريكية.

إلى ذلك، تعرف السندات في علم الاقتصاد المالي على أنها إحدى أدوات الدين التي تصدرها الحكومات والشركات لتمويل مشاريعها، حيث إنها توفر عائدا جيدا للمستثمرين مقابل مخاطرة مقبولة إضافة إلى أنها تعتبر أداة من أدوات السياسة النقدية على المستوى المحلي كما أن هذه السندات أدوات استثمارية ذات مخاطر أقل وتتراوح مدة إصدارها من متوسطة إلى طويلة الأجل، حيث يختلف معدل العائد المقدم من شركة مصدرة إلى أخرى وذلك حسب الشركة وتاريخها وملاءتها المالية حيث إن العائد المطلوب من المستثمر على الحكومة أو شركة كبيرة سيكون أقل من العائد المقدم من دولة ذات ملاءة ضعيفة أو شركة صغيرة وذلك بحكم أن المخاطرة في السندات الحكومية أو الشركات الكبيرة ستكون أقل. وعلى مستوى عائد السندات فإنه يكون معروفًا مقدمًا مما يجعله أقل مخاطرة، فالمخاطرة الوحيدة تكون في التقييم الائتماني لمصدر السند وبصورة عامة فإن السندات متعلقة بمعدلات الفائدة فكلما زادت الفائدة تكون السندات أكثر جاذبية ويرتفع سعرها وعندما تكون الفائدة منخفضة يكون أقل جاذبية وينخفض سعرها.

ويرى الخبراء والمختصون والمحللون الماليون وبيوت الخبرة المالية والمحاسبية من خلال متابعتهم للأسواق العالمية أن الفترة المقبلة ستشهد طفرة ملحوظة في سوق السندات سواء كانت السندات الحكومية والسيادية أو السندات والأوراق التجارية الصادرة عن الشركات والمؤسسات المالية وغير المالية والمصرفية وغيرها من المؤسسات، حيث إن التأثيرات الاقتصادية التي خلفها تفشي فيروس كورونا المستجد والمعروف اختصارا بفيروس كوفيد 19 خلال الفترة الماضية ستكون لها ارتداداتها على المراكز المالية لمختلف تلك الجهات المعنية، وعلى وجه الخصوص بعد أن سجلت أسعار النفط طيلة الفترة الماضية انخفاضات ملحوظة وغير مسبوقة تاريخيا بلغت حد المستوى السالب، وهو ما أثر على تحرك التدفقات النقدية المتأتية من أسواق الطاقة، كما كان له تأثير ملحوظ على الدول والجهات المصدرة للطاقة وعلى رأسها النفط الذي تراجعت أسعاره بشكل كبير إلى سالب 35 دولارا لبرميل النفط الواحد وهو ما ساهم في انهيار أسواق الطاقة المرتبطة بشكل أساسي بسوق النفط، وهو ما سيكون له تأثير على موازنات تلك الدول التي تشكل إيرادات الطاقة جزءا كبيرا من بيان مركزهم المالي ومن موازناتهم المالية، وبالتالي قد تلجأ تلك الدول إلى إصدار السندات والأوراق المالية المختلفة في الأسواق المالية، خاصة في ظل بيئة مشجعة لذلك، وفي مقدمتها انخفاض أسعار الفائدة على الدولار الأمريكي، بعد أن خفض الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة في أكثر من مناسبة بهدف تحفيز الاقتصاد الأمريكي في مواجهة الركود الاقتصادي بسبب تفشي فيروس كورونا المستجد والمعروف اختصارا بفيروس كوفيد 19.

تدفقات أسبوعية

وكانت صناديق السندات العالمية تلقت خلال الأسبوع الماضي ثاني أكبر تدفقات أسبوعية على الإطلاق، حيث تواصل سوق السندات العالمية مجاراة العديد من المتغيرات الجيوسياسية والجيواقتصادية، حيث تشير كبرى المؤسسات المالية وفي مقدمتهم بنك.أوف أمريكا في تقريره الأسبوعي الصادر بنهاية الأسبوع الماضي، أن صناديق السندات شهدت تدفقات نقدية داخلة بقيمة 25.9 مليار دولار خلال منتصف الأسبوع الماضي وذلك وفقا لوكالة الأنباء رويترز، كما أشار التقرير الاقتصادي والمالي الصادر عنهما إلى أن الصناديق الخاصة بالأسهم نجحت في جذب 4.4 مليار دولار مدفوعة بشكل رئيسي بالأسهم الأمريكية، بالإضافة إلى أن صناديق سندات الحكومة الأمريكية نجحت في الاستحواذ على 3.8 مليار دولار، وهي أكبر تدفقات داخلة طيلة 14 أسبوعًا الماضية، بما يعكس كمية التدفقات المتحركة نحو سوق السندات العالمية.

وعلى المستوى الإقليمي وحتى على الصعيد العالمي، تشير بعض التقديرات الأولية إلى أنه بنهاية العام الجاري سيكون إجمالي السندات التي تم طرحها في منطقة الخليج العربي ما لا يقل عن 100 مليار دولار أمريكي بما يعادل تقريبا نحو 364 مليار ريال، على أن يرتفع هذا المبلغ خلال الربع الأول من العام المقبل بنسبة لا تقل عن 10% بعد أن تكون أغلب الدول المصدرة في المنطقة قد قامت بالإعلان عن موازنتها المالية التقديرية للعام المقبل وهو ما يدفع العديد منهم إلى الخروج نحو الأسواق العالمية لطرح سندات وأوراق مالية وتجارية لجمع تمويلات مالية مستفيدين من انخفاض أسعار الفائدة والعوائد على تلك السندات والأوراق المالية، بالإضافة إلى توقعات بتعافي الاقتصاديات العالمية مع بداية العام المقبل خاصة بعد أن أعلن صندوق النقد الدولي عن توقعات شبه إيجابية ومتفائلة بالاقتصاد العالمي خلال العام المقبل وعلى وجه التحديد في العديد من الأسواق الرئيسية بالإضافة إلى مجموعة من الأسواق الناشئة وفي مقدمتها الأسواق الآسيوية وعدد من أسواق منطقة الشرق الأوسط ومنطقة شمال إفريقيا. كما كان لأسواق الدين العام دور مهم في توفير التمويل لتلك الدول، حيث بلغ إجمالي إصدارات الصكوك والسندات الأولية الخليجية 70.7 مليار دولار أمريكي خلال النصف الأول من عام 2020 بارتفاع قدره 9% على أساس سنوي مقارنة بإجمالي إصدارات بقيمة 65 مليار دولار أمريكي خلال النصف الأول من 2019. كما بلغ عدد الإصدارات الأولية 174 إصدارا خلال النصف الأول من 2020 مقارنة بـ 229 إصدارا خلال النصف الأول من 2019. وخلال النصف الأول من 2020، حصل ما نسبته 80% من إصدارات الشركات والحكومات على تصنيف ائتماني واحد أو أكثر من قبل إحدى وكالات التصنيف الائتمانية التالية وهي موديز، وستاندرد آند بورز، وفيتش، وكابيتال إنتلجنس.

تصنيفات ائتمانية

ويعتبر الخبراء والمختصون أن الفترة المقبلة ستكون مناسبة للمؤسسات المالية القطرية والكيانات الاستثمارية القطرية وكبار المستثمرين للدخول على تلك الأوراق المالية والاستثمار فيها خاصة أنها تعرف بالعائد الجيد والمتميز والمضمون خاصة إذا كانت الجهات المصدرة للسندات والصكوك والأوراق المالية والتجارية تتمتع بتصنيفات ائتمانية عالية الجودة وتتمتع بمراكز مالية مضمونة المصدر وتتمتع بدخل تشغيلي عالٍ، هذا بالنسبة للشركات، أما بالنسبة للسندات الحكومية فإنها تكون محمية ومغطاة بغطاء نقدي واحتياطي نقدي حكومي وبالتالي تكون ذات مخاطر أقل وعائد ثابت ومستقر بالنسبة للمستثمرين، كما أن تلك الأوراق يمكن التخارج منها كلما دعت الحاجة إلى ذلك، مع ضمان العائد الاستثماري وعلى وجه الخصوص في السندات والصكوك السيادية وأذونات الخزينة التي يتم طرحها في الأسواق المحلية أو حتى على مستوى الأسواق العالمية وفقا للتحركات الاستثمارية التي قد تسجلها الفترة المقبلة وبما يتماشى مع المتطلبات التي قد تفرضها المرحلة المستقبلية في ظل التوقعات والتطلعات المتصلة بمستويات النمو التي من المتوقع أن يتم تسجيلها خلال السنوات القليلة المقبلة.

ويقول في هذا الإطار الخبير الاقتصادي والمحلل المالي عبدالله الخاطر إن سوق السندات تعد من الأسواق ذات المخاطر المنخفضة، وتحقق في المتوسط عائدا جيدا بالنسبة للمستثمرين، خاصة في ظل بعض المتغيرات الجيواقتصادية والتي عادة ما تؤثر على الاقتصاد العالمي وعلى أسواق المال، بما يجعل من الأسواق والمؤشرات العالمية تسجل بعض التذبذب على مستوى تحركها، مشيرا في ذات الإطار إلى أن الفترة المقبلة قد تكون مناسبة للمستثمرين المحليين للدخول في هكذا استثمارات تحقق العائد الجيد والمستقر.

ومن جهته، اعتبر رجل الأعمال والمستثمر في سوق المال يوسف أبوحليقة أن المستثمر دائما يبحث عن استثمارات مستقرة وتحقق العائد الجيد بعيدا عن المخاطر العالية، وبالتالي فإن سوق السندات عادة ما يكون من بين الملاذات التي تتجه إليها الاستثمارات عند وجود أي توقعات بحدوث اضطرابات اقتصادية قد تطال الأسواق المالية، ولهذا يخير المستثمر وخاصة كبار المستثمرين من الصناديق والكيانات الاستثمارية والمحافظ والمؤسسات الدخول في تلك الاستثمارات وتحصيل العائد الجيد مع تحيين الفرص المناسبة لعمليات التخارج وفقا لمتطلبات السوق.