إن صعود الشركات المبدعة في الاقتصادات ذات الأسواق الناشئة يمثل قضية موضوعية، ومع ذلك لم تستطع الدراسات البحثية السابقة مساعدتنا على فهم تلك الظاهرة.
ويسعى كتاب الشركات المبدعة في بلدان الأسواق الناشئة إلى سد تلك الفجوة عبر استلهامه مجموعة من التجارب التي مرت بها الشركات في عدد من البلدان والقطاعات وكذا السياقات المؤسسية الرئيسية.
وبرغم الفروقات الواضحة، يجد هذا الكتاب نقاطا مشتركة بين تلك التجارب، فقد تأثرت جميعها بالتحولات الحاصلة في البيئة المؤسسية والتكنولوجية والسياسية، لاسيما عبر تأسيس اقتصادات الأسواق الناشئة خلال العقود الثلاثة الماضية، وما تلاها من زيادة في العلاقات والتفاعلات بين الشركات العالمية.
يقول الكتاب في شتى الدول التي أجريت عليها دراسات مسحية في آسيا وأمريكا اللاتينية : إن الإبداع على مستوى الشركات قد تأثر وبقوة بالقدرات والإمكانيات التي تم بناؤها في السابق في بيئة منغلقة نسبيا.
ومع ذلك فإنه وفي البيئة الحالية الأكثر انفتاحا، فإن الإبداع بين الشركات يعكس أيضا الفروقات في تلك السياقات الوطنية التاريخية، وأيضا في الأشكال المختلفة للتفاعل مع مناخ الأعمال العالمي الذي ظهر في وقت لاحق.
ويعد كتاب الشركات المبدعة في بلدان الأسواق الناشئة للمؤلف إدموند أمان مصدرا قيما للأكاديميين والباحثين والطلاب في مرحلة التعليم الجامعي في مجال إدارة الأعمال والتكنولوجيا العالمية، ويشكل الكتاب جزءا من برنامج بحثي أوسع حول التطور الاقتصادي والتكنولوجي.
وقد ركزت الإصدارات السابقة لهذا الكتاب بصورة رئيسية على النظم الصناعية الأوسع التي تعمل بداخلها الشركات، وكذا السياسة العامة والبيئة التنظيمية في البلدان ذات الأسواق الناشئة.
وفي المقابل، يتمحور الإصدار الحالي للكتاب حول تشكل القدرات والإمكانيات على مستوى الشركات، حيث إنه وبرغم أن جانبا كبيرا من الدراسات السابقة قد ركزت على جوانب البيئة الأوسع التي تعمل بداخلها الشركات، فإننا نأمل أن نضع مسألة تشكل القدرات والإمكانات على مستوى الشركات في طليعة تلك القضية.
ويرى مؤلف الكتاب أن تشكل القدرات والإمكانات في الشركة خاصية أساسية ومشتركة في كافة التجارب الاقتصادية والتكنولوجيا الناجحة للشركات.
ويعتقد المؤلف أن توجه هذا الكتاب يروق لشريحة واسعة من الجمهور المعنيين بدراسة الدور الذي تلعبه معلومات الأعمال وريادة الأعمال في البلدان الصناعية، مشيرا إلى أن شركات مبدعة عديدة قد ظهرت مؤخرا وتطورت في البلدان ذات الاقتصادات الناشئة أمثال الصين والهند والبرازيل، وأن عددا من الكتب الصادرة مؤخرا قد فحصت واستكشفت مسألة الإبداع القائم على المؤسسية والسوق في سياق البلدان المختلفة في الأسواق الناشئة.
ويعتقد المؤلف أن بناء القدرات في الشركات يسهم في تسريع وتيرة النمو بها، كما أنه يفسر الدور المتنامي للشركات في البلدان الصناعية في المشهد العالمي.
وفي النصف الثاني من القرن العشرين، فإن مفهوم التركيز العالمي للإبداع الصناعي في الاقتصادات الصناعية المتقدمة في العالم، والذي اتسع ليشمل اليابان خلال العقود الوسطى من القرن ذاته، قد اتسع بصورة أكبر ليضم جيلا آخر من الوافدين الجدد على نادي المنتجين للتكنولوجيا الصناعية في العالم.
وتشكل هؤلاء الوافدون الجدد من عدد صغير من الاقتصادات، من بينها ثلاثة اقتصادات في شرقي آسيا (كوريا وتايوان وسنغافورة). وشهدت مجموعة من الشركات المتنامية في تلك البلدان تحولا من مجرد المحاكاة التكنولوجية والتكيف إلى مرحلة الإبداع التكنولوجي الحقيقي.
والإقرار بأهمية تلك العمليات في صناعات عديدة في كوريا وتايوان وسنغافورة يفسر الآراء التي وُضعت في تسعينيات القرن الماضي حول ظهور قسم العمل التكنولوجي العالمي الجديد.
لكن أهمية هذا تكون أحيانا مثار شكوك من قبل هؤلاء الأشخاص الذين أكدوا على محدودية حجم وعدد تلك الاقتصادات، جنبا إلى جنب مع الظروف المحددة تاريخيا التي حققت الشركات في ظلها تقدما وتحولت من مرحلة المحاكاة إلى الإبداع الحقيقي.
وحدود هذا التغيير في التوزيع العالمي للجهد الإبداعي قد تجلى في دراسة حديثة (أثري وكانتويل، 2007) والتي أوضحت أنه وبالإشارة إلى الأنواع الأكثر تقدما للإبداع التكنولوجي، ثمة زيادة كبيرة، وليس خفض، في درجة التركيز في الدول خلال الفترة من العام 1970 تقريبا وحتى أوائل التسعينيات من القرن الماضي.
ومع ذلك فإن الأنواع ذات المستوى الأقل من الإبداع من النوع الذي يعتمد على تطور القدرات والإمكانات الأساسية البسيطة كانت منتشرة إبان تلك الفترة، كما هو واضح في إجمالي عائدات التراخيص العالمية التي حققتها الشركات في الدول لتأسيس ملكيتها الفكرية.
ومن ثم فإنه وفي مرحلة التحول منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، فإن الأنواع الأكثر تطورا من الجهد الإبداعي قد أصبحت أكثر انتشارا جغرافيا في الدول أيضا - مع اكتساب الوافدين الجدد من منطقة شرقي آسيا أهمية بين المساهمين في هذا التحول.
وهذا التحول الناشئ قد تشكل بمجموعة من التوجهات والقوى العديدة، أولها أن التطور في المستويات الأساسية للقدرات الإبداعية قد لاقى تشجيعا كبيرا لاسيما منذ أوائل الثمانينيات من القرن الماضي بواسطة النمو السريع لأسواق تجارة الملكية الفكرية، وهو ما خلق فرصة ذهبية لظهور لاعبين جدد.
وثاني تلك التوجهات هو النمو السريع للاستثمارات الأجنبية المباشرة التي جلبت معها إعادة توزيع عالمي ليس فقط لأنشطة الإنتاج المباشرة الخاصة بالشركات متعددة الجنسيات، ولكن أيضا لأنشطتها الإبداعية، حيث إن فروع الشركات متعددة الجنسيات قد تطورت من كونها كيانات تستغل الكفاءات إلى أخرى تصنع الكفاءات محليا.
وثالث تلك التوجهات والقوى هو أن المزج بين التعهيد (الاستعانة بعمالة خارجية) والعمل بالخارج عبر شبكات إنتاج عالمية وسلاسل قيمة قد عزز بالفعل الانتشار العالمي للإبداع بطريقتين: قدرات التطور التكنولوجي قد تعمقت عبر شركات الإمدادات في المواقع المنتشرة عالميا، والشركات في البلدان المتقدمة قد استعانت بعمالة خارجية وعناصر خارجية لأنشطتها الإبداعية.
ويلفت مؤلف الكتاب إلى أن المرحلة التجريبية أمر حيوي في المراحل المبكرة من دورة حياة الشركات الناشئة، لكنها تنطوي على مفاضلات عدة، قد تؤثر في قدرة الشركة على التأقلم مع التغيرات التكنولوجية المستقبلية.
وغالبا ما يلجأ رواد الأعمال لأسلوب التجربة خلال تطويرهم لخدمة أو منتج ناجح.
بعدها تتوقف عملية الاستكشاف، فكلما طالت المرحلة التجريبية، تأخر دخولهم إلى السوق.
وقد يكون الوقت المخصص للتجارب عائقاً أمام الشركة على المدى القصير، إلا أنه سيعود عليها بالفائدة على المدى الطويل - هذا ما نطلق عليه قدرة الشركة على التأقلم مع التغيرات التكنولوجية.
ثم يناقش المؤلف قدرة الشركات على التأقلم مع مختلف أنواع التغيير التكنولوجي، باعتبارها ميزة غير مستغلة تنشأ عن ذات العملية التي من خلالها تطور الشركة أسلوب عملها.
ليكتشف أن أسلوب عمل الشركة يتطور مع الوقت، منذ بداية دورة حياتها.
وفي حين تتم عملية التعلم في الشركات الناشئة الجديدة من خلال استكشاف طرق مختلفة للقيام بالأعمال كجزء من نهج الشركات الناشئة المرنة يوفر هذا الإجراء للشركات القدرة على التكيف مع مختلف المتغيرات الخارجية مستقبلاً بدرجات متفاوتة.
والمثير للاهتمام أن تلك الخصائص تتيح للمدراء القدرة على ضبط عملية النمو في مرحلة مبكرة من دورة حياة الشركة.
وبإمكانهم القيام بذلك من خلال التأثير على رغبة الأفراد بالانخراط في السلوك الاستكشافي.
فعلى سبيل المثال: الخيارات التي يتخذها المدراء في وقت مبكر بما يتعلق بالقدرة على التكيف، يستمر تأثيرها مستقبلاً.