بعد ارتفاعها وتداول رسائل تدعو للاستثمار فيها.. خبراء لـ «لوسيل»:

العملات الإلكترونية المعماة تنطوي على مخاطر عالية والحذر واجب

لوسيل

أحمد فضلي

حذر خبراء ومختصون ماليون ومصرفيون من مغبة الانسياق وراء الرسائل النصية والإلكترونية مجهولة الهوية التي ترد على الهواتف الجوالة أو البريد الإلكتروني للأفراد وتدعوهم وترغبهم في الاستثمار في العملات الإلكترونية المشفرة وعلى رأسها عملة البيتكوين التي حققت خلال الأسابيع القليلة الماضية أعلى مستويات لها تاريخية وغير مسبوقة، حيث تضمنت تلك الرسائل توقعات عن ارتفاع أسعار البيتكوين وهو ما يشكل استثمارا قد يكون سخيا خلال الفترة المقبلة.

وفي ذات الإطار، فقد تلقى العديد من الأفراد خلال يوم أمس والأيام القليلة الماضية مجموعة من الرسائل على الهاتف الجوال تدعوهم إلى الاستثمار في العملات الإلكترونية المشفرة وفي مقدمتها عملة البيتكوين، حيث تضمنت تلك الرسائل توقعات بأن يصل سعر البيتكوين الواحدة إلى ما لا يقل عن 146 ألف دولار، دون الإفصاح عن مصدر وهوية تلك الرسائل وهو ما قد يثير الريبة والشك لدى متلقي تلك الرسائل.

وشهدت العملات الإلكترونية ارتفاعات قياسيا، وبالأخص عملة البيتكوين والتي شهدت منحى صعوديا على مستوى أسعار هذه العملة التي قفزت خلال 20 أسبوعا الماضية بنحو 322%، حيث ارتفعت من نحو 11405 دولارات بما يعادل تقريبا نحو 41.5 ألف ريال وذلك في تاريخ 10 أكتوبر الماضي لتصل إلى مستوى 48136 دولارا خلال تعاملات يوم 10 فبراير الجاري وهو ما يعادل نحو 175.2 ألف ريال، اي أنها تضاعفت نحو 3 مرات طيلة الخمسة أشهر الماضية بشكل قياسي، حيث سجل ارتفاع الطلب عليها في الأسواق العالمية، بعدما سجلت انخفاضا حادا خلال الربع الأول من العام الماضي بسبب بداية تفشي جائحة فيروس كورونا كوفيد 19 ، حيث بلغت أدنى مستوى لها في عامين لتصل بتاريخ 8 مارس من العام الماضي إلى مستوى 5182 دولارا بما يعادل تقريبا نحو 18.86 ألف ريال، حيث قام العديد من مالكي هذه العملة بالتخارج منها بشكل كبير والتحول نحو استثمارات وملاذات استثمارية أكثر أمنا وفي مقدمتها المعادن الثمينة كالذهب والسلع الأساسية والإستراتيجية، التي تحمي أموال المستثمرين عند الأزمات والتقلبات الجيوسياسية أو الجيواقتصادية.

ارتفاع أسعار العملات

إلى ذلك، لعبت العديد من العوامل والأخبار الاقتصادية والإستراتيجية دورا كبيرا في تحقيق العملات الإلكترونية وعلى رأسها عملة البيتكوين لارتفاعات قياسية وغير مسبوقة، وفي مقدمة تلك العوامل الإستراتيجية، هو إعلان شركة تسلا عن استثمارها 1.5 مليار دولار في العملة المشفرة في يناير الماضي، وقالت الشركة الأمريكية إنه من المتوقع أن تبدأ في قبول الدفع بالعملة الرقمية مقابل سياراتها ومنتجاتها الأخرى في المستقبل القريب. وأشارت إلى أنها قد تستحوذ على أصول رقمية وتحتفظ بها من وقت لآخر أو على المدى الطويل، ويأتي ذلك في إطار سياستها الاستثمارية الواسعة النطاق. وشهدت شركة تسلا خلال العام الماضي قفزات عملاقة، حيث حقق سهم تسلا ارتفاعا كبيرا في عام 2020 بنسبة 695% وبقيمة تجاوزت 790 مليار دولار كقيمة سوقية إجمالية، الأمر الذي كان له انعكاس كبير على سوق العملات الإلكترونية المشفرة، ودفع البعض للإشارة إلى أن الفترة المقبلة قد تقود تحولا جذريا نحو العملات الإلكترونية خاصة إذا ما أقبلت عليها كبرى الشركات العالمية لتنفيذ جانب من مبيعاتها أو أنشطتها التجارية أو لتكوين احتياطيات نقدية معماة ربما تكون بعيدة كل البعد عن الرقابة التشريعية والضريبية والقوانين الرقابية التي تحدد التحركات النقدية والتدفقات المالية الصادرة والواردة على تلك الشركات وفقا للأطر النظامية التي تحدد التعاملات في صلب المراكز المالية لتلك الشركات العالمية والتي قد تشرع خلال الفترة المقبلة في التعامل بتلك العملات.

وقد يرى البعض أن للعملات الإلكترونية والرقمية المشفرة العديد من المزايا والنقاط الإيجابية المستقبلية، خاصة بعد التحول الكبير الذي سجلته العالم خلال العام الماضي، من خلال الإقبال على استخدام أنظمة الدفع الإلكتروني والتركيز على التكنولوجيا والمواقع الرقمية بسبب الإجراءات الاحترازية التي تهدف إلى الحد من تفشي فيروس كورونا كوفيد 19 ، إلا أن واقع وآفاق العملات الإلكترونية لا يزال يكتنفه الغموض والضبابية، كما تحيط به العديد من المخاطر المتشعبة وعلى رأسها شبهة ارتباط هذه العملات الإلكترونية بعمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب بالإضافة إلى الجرائم المتعلقة بالاتجار في البشر والاتجار في المخدرات وجرائم الاتجار في الأسلحة والأسلحة المحظورة، وغيرها من الجرائم العابرة للقارات والتي يصعب تقفي أثرها، بالإضافة إلى عمليات التهرب الضريبي وإخفاء الأموال، خاصة أن تلك العملات مشفرة بالكامل ولا تخضع للرقابة ولإشراف الجهات التنظيمية والسلطات الإشرافية على غرار البنوك والمصارف المركزية، بالإضافة إلى وزارات المالية في مختلف دول العالم ومتابعة الأجهزة الأمنية لتلك التدفقات للتحري في مدى سلامة تلك الأموال، ونقاوة المعاملات المالية المنفذة من خلال العملات الإلكترونية من أي شبهات جرائم وعمليات احتيال تخالف القوانين واللوائح التنظيمية والرقابية، حتى وإن كانت بعض الدول التي تعد على الأصابع تجيز التعامل في تلك العملات الرقمية والإلكترونية المعماة.

منع التعامل بها

وعلى المستوى المحلي، فإن مصرف قطر المركزي وجه منذ نحو 3 سنوات جميع البنوك والمصارف الإسلامية العاملة في دولة قطر إلى عدم التعامل بأي شكل من الأشكال بعملة البيتكوين أو تبديلها بأي عملة أخرى أو فتح حسابات للتعامل بها أو إرسال أو استقبال أي حوالات مالية بغرض شراء أو بيع تلك العملة، وجاء هذا القرار الصادر عن مصرف قطر المركزي إثر تسجيل نشاط قوي وفي مختلف دول العالم للتداول بعملة افتراضية تسمى البيتكوين وهي عملة غير قانونية لعدم وجود أي التزام من جانب أي بنك مركزي أو حكومة في العالم لتبديل قيمتها مقابل نقود صادرة ومبرئة للذمة أو مقابل سلع عالمية متداولة أو مقابل الذهب، كما يكتنف التعامل بهذه العملة مخاطر عالية تتمثل في تذبذب قيمتها بشكل كبير وإمكانية استخدامها في الجرائم المالية والقرصنة الإلكترونية بالإضافة إلى مخاطر خسارة قيمتها لعدم وجود أي جهات ضامنة لها أو أصول مقابلها. وشدد تعميم على أن مصرف قطر المركزي سيقوم بتوقيع الجزاءات المقررة وفقا لأحكام قانون المركزي وتنظيم المؤسسات المالية الصادر بالقانون رقم 13 لسنة 2012 في حالة مخالفة التعليمات. كما أشار خلال نهاية العام الماضي من خلال مسؤولين به إلى أن مصرف قطر المركزي يقوم بدراسة واقع العملات الإلكترونية ويعمل على متابعة الموضوع المتعلق بالعملات الإلكترونية متابعة دقيقة.

إلى ذلك، وبالنظر إلى العملات الرقمية وخاصة البيتكوين بشكل رأسي فإننا نجد العديد من المخاوف والشكوك حول مدى ثبوتها ومصداقيتها في الأسواق المالية العالمية، حتى وإن تم الاعترفت بها من قِبَل جميع الدول، فهذه العملة في أغلبها مشفرة ولا تتمتع بالمقومات الأساسية لأي عملة لها أربعة خصائص رئيسية منها الاعتراف الرسمي بها من قبل الجهات الرقابية المحلية والدولية، وجودها العيني والحسي الملموس، قدرة الناس على تداولها والقيام بالعمليات المالية من خلالها.

مخاطر عالية

ومن بين أبرز الدول التي تعترف إما جزئيا أو كليا أو تسمح بتداول البيتكوين نجد على سبيل المثال ألمانيا وكندا وسويسرا والسويد والمملكة المتحدة واليابان. وكانت الشرطة الألمانية ومدعون ألمان صادروا ما قيمته 60 مليون دولار من عملة البيتكوين هي ملك أحد المحتالين، غير أنهم لم يكن بمقدورهم الحصول على المال بسبب أنه ليس لديهم كلمة المرور لفتح المحفظة المالية، حيث التزم هذا المحتال الذي قبع في السجن الصمت دون أن يكشف عن كلمة السر، الأمر الذي يشكل كذلك تحديا حقيقيا أمام الجهات الرقابية في حال رغبت في مُصادرة الأموال الناتجة عن عمليات الاحتيال أو الجرائم.

من جهته، قال المحلل والخبير الاقتصادي أحمد عقل إن التعامل في العملات الإلكترونية يعد ذا مخاطر عالية خاصة لمن لا يمتلك الخبرة والدراية اللازمة، في ظل التذبذب الكبير لقيمة هذه العملات وهو ما يرفع المخاطر عليها بشكل كبير، مضيفا أن هناك تحديا آخر وهو اختيار الشركات الموثوق بها لتحويل الأموال إليها، وهو ما قد يجعل المستثمرين ربما في عرضة لمخاطر احتيال وسرقة أموالهم، وتابع قائلا كما تجدر الإشارة إلى أن الاستثمار في العملات الرقمية له مخاطر عالية جدا نظرا لغياب أي جهة مسؤولة عنها وبالتالي يجعلها غير آمنة يضاف إليها احتمال التعرض للقرصنة والتهكير.

في هذا الإطار، دعا الخبير الاقتصادي عبدالله الخاطر من خلال لوسيل الأفراد إلى عدم التعامل بالعملات الرقمية إلى حين اعتمادها بشكل رسمي من قبل البنوك والمصارف المركزية في العالم ووضعها ضمن قنوات آمنة تضمن حقوق الجميع، وتابع قائلا: نصيحة للأفراد حتى لو كانت لديهم القدرة على التعامل بالعملات الرقمية هو عدم الانسياق وراء هذا التيار للمخاطر التي بها. وقال إنه من غير المحبذ للأفراد التعامل مع أدوات وسلع تعتبر جزءا من المضاربة عالية المخاطر، لأن هذه العملة محفوفة بالمخاطر ولا تخضع للرقابة، مشيرا إلى ضرورة أن تبقى المؤسسسات و المركزي في حالة تحرٍّ ودراسة لواقع العملات الإلكترونية التي تستخدم تقنية البلوكتشين وهي إحدى التقنيات التي يمكن استخدامها مستقبلا في المعاملات المالية.