البحث عن الثراء مبدأ سيطر على الإنسان منذ وجوده فتعددت السبل وتنوعت الوسائل وبقي الهدف الأول تحقيق المال، ولئن اختلفت مشارب الأفراد بين المقبل على الحياة والمتزهد، فإن الغالب ذلك الشعور القوي لدى عامة الناس بالرغبة في تحقيق الثروة.
فهناك من رأى في بعث مشروع خاص به سبيلا لرغد الحياة، وهناك من اختار الاستثمار في العقار إيمانا منه بالابن البار ، وهناك من تستهويه المغامرة فيركب موجة الإقدام والجسارة، ويتجه إلى الاستثمار في البورصة، فالقول الشائع إن البورصة مكاسبها كبيرة وسريعة وخسائرها كبيرة وسريعة أيضا، ومن هذا المبدأ هنالك محاولة لفهم ميكانيزمات التداول في الأسهم، وهل الاستثمار في البورصة عنوان للثراء أم مشروع إفلاس مع وقف التنفيذ؟.
أكد المستثمر راشد السعيدي أن صغار المساهمين هي الشريحة المتضررة أكثر من انخفاض السوق، حيث يغلب على سلوكهم الاستثماري طابع التأثر بالمعطيات الاقتصادية.
فيتجهون إلى الشراء إذا ما رأوا المحافظ الاستثمارية تتجه للشراء، ويقومون بالبيع إن كان السوق يتجه للانخفاض.
وأضاف أن العامل النفسي هو من يؤثر على سلوك المساهمين ما يعرضهم لتكبد الخسائر.
ويرى أن التروي في قرار الاستثمار عنصر هام يمكن المساهمين من المحافظة على مكاسبهم.
الثروة والواقع
اعتبر مواطنون أن الحلم بالثروة يجب أن يكون واقعيا حيث لا يمكن تحقيق ذلك من خلال اختيارات عشوائية، بل إن الاستثمار في البورصة يجب أن يتم وفق دراسة فنية ومالية للسوق.
لذلك أكدوا ضرورة وجود بيوت الخبرة التي تقدم المشورة والنصح، وتضع أولويات الاستثمار في الشركات التي نسب المخاطرة فيها قليلة، إضافة إلى العائد على السهم.
وأكدوا أنه يجب الاطلاع على البيانات المالية للشركات المدرجة، ومتابعة الملاءة المالية ونسب دوران السيولة، وهي كلها مؤشرات واضحة ودقيقة وعلمية تعطي فرصا أكبرا للربح وتقلص من هامش الخسارة إن وجد.
وأشاروا إلى أن البورصات العالمية مترابطة بعضها ببعض، لذلك فإن التداعيات الاقتصادية والأحداث الجيو -سياسية تلقي بظلالها على آليات عمل أسواق المال.
وأكد خبير أن الشروط الحمائية تعتبر ضرورية لحماية الأسواق المالية، فعلى سبيل المثال يتمتع سوق الأسهم القطري بأداء مالي قوي للشركات المدرجة، ورغم ذلك فإن ما يحدث في الأسواق المالة العالمية ينعكس بشكل مباشر على أداء البورصة.
وبالتالي يكون صغار المستثمرين الأكثر عرضة للخسارة، نظرا لفقدانهم الخبرة اللازمة في كيفية التعامل مع المتغيرات الاقتصادية.
وأيضا تحدث مبيعات الأجانب أو مشترياتهم حالة من عدم الاستقرار خاصة عند المبالغة في الشراء على عدد من الأسهم، مما يرفع أسعارها إلى مستويات غير عادلة لقيمة السهم في إطار عمليات مضاربة قوية، وكذلك نفس الشيء عند الاتجاه بقوة نحو البيع.
وأكد أن ذلك يفرض عدة تحديات فيما يتعلق بطريقة معالجة هذا السلوك الاستثماري في ظل حرية السوق.
الخبرة مطلوبة
وأكد طه عبد الغني مدير عام بشركة نماء للاستشارات الاقتصادية أن الاستثمار في البورصة يحتاج إلى الخبرة والمعرفة بالشركات التي يمكن الاستثمار فيها.
واعتبر أن البورصة مكان للأرباح العالية نتيجة المضاربات وأيضا نسبة المخاطرة فيها مرتفعة.
أما المستثمر أحمد الشيب فاعتبر أن الاستثمار في الأسهم يتطلب خبرة وذلك من خلال المتابعة الدائمة للشركات المدرجة ومعرفة اتجاه السوق.
وأشار إلى أنه يجب استشارة أصحاب الخبرة والتجربة في أسواق المال.
وبين أن سوق الأسهم مرتبط بالتقلبات الاقتصادية العالمية لذلك على المساهم أن يكون حذرا.
إن المتابع لحركة البورصات العالمية يلاحظ أن كثيرا ما تكون هذه الأسواق غير مستلقة بذاتها، حيث تتحكم فيها معطيات الاقتصاد الكلي.
الأزمة الشهيرة التي تعرف بالكساد الكبير في عام 1929 وهي أزمة اقتصادية ضربت العالم منذ عام 1929 مرورًا بفترة الثلاثينات والأربعينات، وهي أكبر وأشهر الأزمات الاقتصادية في القرن الـ 20 انطلقت من الولايات المتحدة الأمريكية عندما انهارت سوق الأسهم الأمريكية يوم 29 أكتوبر، وطالت الأزمة جميع الدول تقريبًا سواء غنية أو فقيرة وانخفضت التجارة العالمية بنسبة ما بين النصف إلى الثلثين.
انخفض أيضًا متوسط دخل الفرد وقلت عائدات الضرائب وانخفضت الأرباح، أما الإثنين الأسود ، يشير هذا المصطلح إلى يوم الإثنين 19 أكتوبر عام 1987، في هذا اليوم انهارت أسواق الأسهم في جميع أنحاء العالم وفقدت جزءًا كبيرًا من قيمتها خلال وقت قصير جدًا.
البداية كانت مع سوق أسهم هونغ كونغ ثم انتقلت إلى الأسواق الأوروبية ثم وصلت إلى الولايات المتحدة.
وأزمة الرهن العقاري في أمريكا التي أدت إلى حدوث أزمة في الائتمان قادت إلى حالة من الركود شهدتها شهدته الأسواق الأمريكية بين عامي 2007 2009 وانعكست هذه الأزمة على أسواق المال العالمية، حيث شهدت كلها موجة تراجعات حادة وتقلصت أحجام التعاملات بشكل كبير، وأزمة الديون الأوروبية التي بدأت منذ عام 2009 وضربت عدة دول أوروبية أهمها اليونان والبرتغال وأيرلندا وإسبانيا وقبرص.
لم تتمكن هذه الدول من إعادة دفع أو إعادة تمويل الدين الحكومي الخاص بها أو أنها لم تتمكن من إنقاذ مديونيات البنوك الخاصة بها دون مساعدة من طرف ثالث مثل صندوق النقد الدولي أو صندوق الإنقاذ الأوروبي أو البنك المركزي الأوروبي.
المخاطر موجودة
البورصة القطرية رغم محدودية عدد الشركات المدرجة فيها إلا أنها تعتبر الثانية عربيا من حيث القيمة السوقية، كما أن الشركات المتداولة تحقق معدلات نمو قياسية سنويا.
ورغم كل هذه الإيجابيات فإن الاستثمار في الأسهم لا يخلو من مخاطر خاصة على صغار المستثمرين الذين يخطفهم وميض الثراء الحالم، فيجعلهم يترنحون مثل أعمدة الدخان الثمل، وذلك ما يدفع أحلامهم إلى تتكسر على حجر بحري إذا لم تكن أحلاما واقعية قائمة على دراسة السوق وتتخذ مسافة من الرغبة في الثراء ومقتضيات السوق الذي يخضع لاشتراطات كثيرة أهمها ما يحصل في الاقتصاد الكلي خاصة في الدول الصناعية الكبرى.
وهو ما يدفع إلى القول إلى أن الثروة والخسارة خطان متوازنان يسيران جنبا إلى جنب لا يفصلهما سوى متغيرات اقتصادية موجبة أو سالبة هي من تحدد اسم الرابح والخاسر.
تبقى عقلنة الاستثمار أحد الشروط الأساسية لضمان نمو المدخرات المالية بشكل تراكمي وتجنب خاصة صغار المستثمرين خطر التعرض إلى تبخر أرصدتهم المالية.
وقد يؤدي ذلك إلى تعرض المستثمر إلى مشاكل صحية إذا ما تعرض للخسارة، خاصة وأن صغار المستثمرين يفتقدون القدرة على قراءة الواقع الاقتصادي والبيانات المالية للشركات التي استثمر فيها وذلك يجعله أكثر عرضة للخسائر.
ويمكن القول إن الاستثمار المؤسساتي يعتبر إلى حد ما أحد الضمانات التي تمكن صاحب المال من تحقيق عوائد مالية، ولكن ذلك لا ينفي التعرض أيضا للخسائر.
فالربح والخسارة عنصران أساسيان في دينامكية عمل أسواق المال، وهو ما يدفع إلى الاتجاه إلى عدم وضع جميع البيض في نفس السلة خوفا أن تكسر جميعها وحينها يومض فتيل الثروة وميض الخمول، ويبقى المستثمر في لوعة وندم لها انعكاساتها الصحية أيضا، وكم من مستثمر حول العالم كانت نهايته تراجيدية بالمفهوم الإغريقي للكلمة وهو يرى ماله قد تبخر وأحلامه تحولت إلى سراب.