شهدت الأسواق العالمية المتعلقة بالسلع الأساسية كالقمح والذرة والزيوت النباتية والأرز طيلة الأيام الماضية مجموعة من التقلبات السعرية على المستوى العالمي، في ظل تواصل الحديث عن أزمة مالية واقتصادية ستكون لها انعكاسات على مستويات الطلب العالمي من السلع والبضائع الأساسية، حيث تشير التوقعات إلى تسجيل تراجعات محققة على مستوى الطلب العالمي في العديد من السلع المختلفة نتيجة لعدة عوامل لعل أبرزها العامل الذي أدى إلى هذا الانخفاض ألا وهو فيروس كورونا الذي عمق في جلسة تعاملات أمس الخميس من خسائر الأسواق العالمية المختلفة سواء الأسواق المتعلقة بالمال أو حتى أسواق السلع، بالإضافة إلى العامل الضاغط الثاني والمتمثل في عودة الانحدار الشديد في أسعار النفط من مستوى 38 دولارا في نهاية تعاملات جلسة الأربعاء إلى مستوى 31 دولارا في نهاية جلسة تعاملات أمس الخميس.
سجلت جلسة تعاملات أمس المتعلقة بالسلع الأساسية في مستهلها افتتاحات في المنطقة الحمراء، وقد تصدرت السلع الأساسية الزراعية المنتجة في الولايات المتحدة الأمريكية، انخفاضات ملحوظة، وبشكل أساسي القمح الأمريكي الذي سجل انخفاضات بنسبة وصلت مداها ظهر أمس عند مستوى 2.17% بانخفاض بنحوة 12.8 دولار عن جلسة الأربعاء، كذلك الذرة الأمريكية التي تراجعت في حدود السابعة من مساء أمس بنسبة 2.17% بانخفاض بقيمة بنحو 8.38 دولار، كما تراجع السكر الأمريكي بنسبة 4.32% بتراجع 0.53 دولار، كما تراجع الكاكاو الأمريكي بنحو 68 دولارا مسجلا بذلك نسبة تراجع تساوي 2.68% عن جلسة الأربعاء، وتراجع زيت فول الصويا بنسبة 4% بما يعادل 1.10 دولار وذلك بضغط من تراجع منتج فول الصويا الذي تراجع بنحو 17.38 دولار بما يعادل نحو 1.99%.
ويعزى التراجع الملحوظ في أسعار المنتجات الزراعية الأمريكية في الأسواق العالمية إلى مجموعة من الأحداث التي سجلتها الأربعة والعشرون ساعة الماضية، وفي مقدمتها الانخفاضات الملحوظة وبشكل كبير في الأسواق المالية الأمريكية، وتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول إيقاف الخطوط الجوية والرحلات المباشرة بين الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية، بالإضافة إلى تأثر أسواق السلع الأخرى كالذهب والبلاتين والفضة والنفط والنحاس وغيرها من المعادن التي سجلت تراجعات ملحوظة وبشكل كبير خلال تعاملات يوم الأربعاء والتي كانت أغلبها ضاغطة بشكل كبير على المزاج العام لكبار المستثمرين من مختلف الدول.
إلى ذلك، فقد شكلت التعاملات على الأرز الخام مفاجأة، حيث افتتحت على ارتفاع ملحوظ بنسبة 2% وكانت تقريبا هي السلعة الوحيدة المرتفعة في بداية تعاملات أمس الخميس في الأسواق العالمية، قبل أن تتراجع خلال بقية التعاملات لتتحرك عند مستويات هامشية تكاد لا تذكر، حيث انخفضت في حدود السابعة والنصف من مساء أمس بنسبة 0.27% بقيمة تغير تساوي 0.035 دولار، حيث استقرت الأسعار عند مستوى 12.943 دولار للوحدة من الأرز.
وتراجعت أسعار الماشية في الأسواق العالمية بنسبة 5.11% منخفضة بقيمة تساوي 5.388 دولار، كما تراجعت أسعار ماشية الإرضاع بنسبة 7%، محققة خسائر بقيمة 8.94 دولار، وقد ارتفعت حبوب الشوفان خلال تعاملات أمس في الأسواق العالمية وتحديدا عند الساعة السابعة والنصف بتوقيت الدوحة بنسبة 0.04% محققة مكاسب بقيمة 10 سنتات فقط.
وفقا لمنظمة الأغذية والزراعة فقد بلغ متوسط مؤشر أسعار الأغذية 180.5 نقطة في فبراير أي بانخفاض بنحو 1% عن مستواه المسجّل في شهر يناير من العام الجاري، وإن كان لا يزال مرتفعًا بما قدره 8.1% عن مستواه المسجّل في فبراير 2019. وكان هذا الانخفاض أوّل تراجع ملحوظ في قيمة المؤشر من شهر إلى آخر وذلك بعد الشهر الرابع من الارتفاع على التوالي. ويعزى السبب في ذلك إلى هبوط حاد في أسعار تصدير الزيوت النباتية، وبدرجة أقلّ في أسعار اللحوم والحبوب، ما عوّض الارتفاع المتواصل في أسعار الألبان والسكر. في المقابل يشير الخبراء والمحللون الاقتصاديون إلى أن هذا المؤشر من الوارد جدا أن ينخفض بنهاية شهر مارس الجاري، في ظل تواصل إلقاء فيروس كورونا بظلاله على الاقتصاد العالمي وتواصل الضغوطات العالمية على العديد من المؤشرات الاقتصادية، نتيجة تراجع حركة التنقل وتراجع الإنتاج الصناعي وخاصة في مجال الصناعات الغذائية التحويلية وانخفاض الأسعار وارتفاع التكلفة.
وفي ذات الإطار، فقد خفتت التوقعات بتحسن تجاري قوي خلال العام الجاري نظرا لأن وفرة كميات المنتج على المستوى المحلي قد تبقي الطلب على الاستيراد في البلدان الآسيوية منخفضا لسنة أخرى، وهو ما يبقي التوقعات المتعلقة بتدفقات الأرز عالميا خلال 2020 لأعلى مستوياتها مقارنة بالعام الماضي، وذلك نظرا لزيادة الواردات المرتقبة في كافة المناطق الأخرى. ولعل هذه الحال تنطبق على إفريقيا بصفة خاصة، حيث ستكون بلدان مثل غينيا والسنغال ونيجيريا بحاجة إلى شراء كميات أكبر لتعويض انخفاض مستويات الإنتاج خاصة إذا تم استثناء أستراليا والبرازيل وتايلند، فقد تزيد كافة البلدان الموردة للأرز في العادة صادراتها خلال عام 2020 وتكون الزيادة الأكبر من حصة الهند والصين تبعا للتوقعات. إلى ذلك، فقد يؤدي نمو صادرات الأرز الصيني عام 2020 إلى الحد من الخلل التجاري الذي عاشته الصين منذ أن باتت مستوردا صرفا للأرز منذ العام 2011.
يشير المحلل المالي والخبير الاقتصادي أحمد عقل في حديثه لـ لوسيل إلى أن فيروس كورونا أدى إلى حالة من الكساد بالإضافة إلى التقليل من الطلب على الكثير من المنتجات الصناعية بما فيها الحاجيات الأساسية، وذلك نتيجة للعديد من العوامل وفي مقدمتها نقص الملاحة في العالم والشحن بالإضافة إلى الضغوطات على القطاعات السياحية، مشددا على أن هذه القطاعات لها انعكاسات مباشرة على السلع الأساسية. وتابع قائلا في العادة يكون خلال الأزمات ارتفاعات قياسية في بعض السلع الأساسية، وما يحدث الآن هو عكس ذلك، حيث نلحظ تواصل وجود العديد من الإمدادات، خاصة أن الفيروس بدأ في الانتشار منذ شهرين، وبالتالي تقريبا مختلف الدول والحكومات أخذت احتياطاتها وقامت خلال الأسابيع الماضية بالتزود أولا بأول من أجل المحافظة على مخزوناتها الإستراتيجية التي تؤمن تغطية الأسواق المحلية لتلك الدول بالمستويات المطلوبة والمحافظة على مستويات العرض والطلب في أسواقها المحلية على أكمل وجه، وهذا لا ينفي أن حدوث تفاعلات على بعض السلع الأساسية خلال الفترة الأولى من خلال تسجيل بعض الارتفاعات التي لم تدم طويلا، خاصة أن أزمة كورونا والانخفاضات في الأسواق لم تكن مفاجئة أو مستمرة لأيام فقط .
وقال إن الوقت الحالي مناسب للمحاصيل الزراعية، حيث عادة ما تتوفر العديد من المنتجات الزراعية وهو ما من شأنه أن يضغط على الأسعار على خلاف فترات الصيف حيث يزداد الطلب. وقال إن أكثر الدول استهلاكا للأرز هي الصين والهند وأغلب الأخبار الإيجابية بدأت تأتي من الصين بعد الحديث عن تراجع انتشار الفيروس، مقابل انتشار الفيروس في العديد من الدول خاصة في الدول الأوروبية.
وعن حالة الهلع التي قد تحدث لدى المستهلكين في العالم، قال إن ما يحدث كان له تأثير بشكل كبير على المستثمرين بشكل مباشر أكثر حتى من المستهلكين، حيث عمد المستثمرون إلى بيع بضائعهم وسلعهم بالأسعار المعروضة نتيجة مخاوف من خسارة محققة، حيث كانت عمليات البيع بشكل سريع ومبكر. أما المستهلكون فإن أغلب تركيزهم حاليا على موضوع الفيروس فقط في ظل توافر المنتجات وبكميات كافية.